فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 1116

ما الذي يجعل أخذ نصوص صفات (السمع والبصر والقدرة والحياة) على ظاهرها إيمانًا ، بينما أخذُ نصوص صفات (الاستواء والنزول والمجيء) على ظاهرها كفرًا ؟ هل عندكم ثم قاعدة تفرق بين الأمرين ؟ وهل قولكم هذا يشمل كل ما وصف الله به نفسه أم ماذا ؟

? ونحن نؤمن أن الله وصف كتابه بأنه هدى وتبيان لكل شيء فقال { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ } وأمر رسوله أن يبين للناس معاني آيات الله فقال { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } فالتأويل هو بيان مراد المتكلم وقد بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مراد الله ولم يكتم .

فمن قال بعكس ذلك فقد زعم أنه - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة .

? فالمأمور بالتبيين - صلى الله عليه وسلم - لم يصرف نصوص الصفات عن ظواهرها ، ولم يرد عن أحد من السلف تأويل الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة أو النعمة والرجل برجل من جراد والنزول بنزول الملَك أو الأمر والغضب بمعنى العقوبة والرحمة بمعنى الثواب ، ولا قالوا: يجب تأويلها ويحرم الأخذ بظواهرها ، ومعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . ولم يرد عن السلف أن الأخذ بآيات الصفات على ظاهرها كفر وإنما حمل الجهمية راية هذه المقولة وتبعهم المعتزلة .

? فهذه المقولة إفك قديم وحجة المعتزلة القائلين: نصوص رؤية الله لا تؤخذ على ظاهرها ، وإنما لها معنى باطن هو إثابته . فبماذا تجيبونهم ؟

? أننا نقول لهؤلاء المتناقضين:

أتقولون هذا في كل ما وصف الله نفسه أم تقولون: أخذ بعض الآيات على ظاهرها كفر دون البعض الآخر؟ ما الضابط في ذلك ؟

وكيف أخذتم نصوص الرؤية ولم تحدث عندكم تجسيمًا ؟ فإذا كان التجسيم لازمًا لبعض الصفات فهو لازم للصفات التي أثبتموها كالإرادة والكلام والسمع والبصر ، لأنها صفات لا تقوم في الشاهد بنفسها وإنما بجسم ، فإذا قلتم لا نعقل يدًا أو رِجْلًا أو أصابع أو رضًا أو غضب إلا بجسم: قلنا: ولا نعقل سمعًا وبصرًا ولا كلامًا إلا ما كان قائمًا بجسم . فقولنا فيما أثبتناه كقولكم فيما أثبتم . فإن قلتم: هذه أبعاض: قلنا: وما أثبتموه أعراض لا تقوم إلا بجسم . فلا نعقل سمعًا إلا ما كان بشحمة ولا نعقل كلامًا إلا بلسان ، فإن جاز لكم أن تثبتوا أعراضًا لا تقوم بجسم جاز لنا أن نثبت ما تزعمون أنه أبعاض .

فإما أن تعطلوا ما أثبتموه وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يليق بالله لا يشبهه فيه أحد .

? أن الشارع إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره فلابد أن يبين ذلك للأمة ، قال تعالى { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ } { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } . حتى تقوم الحجة على من تقولون له: أخذ آيات الصفات على ظاهرها كُفر .

وإذا أراد أن يقول كلامًا ظاهره ضلالة مخالفة لباطنه فإنه لابد أن ينصب للناس دليلًا يبيّن لهم في نفس السياق أن ظاهره غير مراد ، ولا يترك العامة يضلون به ولا يترك أهل الكلام والجدل يصلحون ما أفسده هذا الظاهر . كقول الله"يا ابن آدم: مرضت فلم تعدني . قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ، استطعمتك فلم تُطعمني . قال: يا رب ، وكيف أطعِمُك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمتَ أته استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما إنك لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي ، يا ابن آدم ، استسقيتك فلم تسقني . قال: يا رب ، كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي" [1] .

فبيّن في الحديث نفسه أن قوله (مرضت ، استطعمتك ، استسقيتك) مفَسَر من خلال ظواهر أخرى ، ولم يؤخر بيان النصوص عن وقت الحاجة ، ولا نعتقد أن يوحي الله نصوصًا: يضل بظاهرها البشر ثم يترك مجال بيانها حتى ينقب لها خلفاء (صبيغ) عن بواطن أخرى مرجوحة !

(1) رواه مسلم (3569) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت