فهرس الكتاب
وانظر إلى قول الله تعالى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } كان يمكن أن يكون مستمسكًا عظيمًا للخوارج الذين يكفّرون بالمعصية ولكن الله أوحى إلى نبيه أن يفسرها بقوله تعالى { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } .
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس وفلاسفتهم ويجعل الأخذ به واجبًا . فإن هذا تدليس وتلبيس لا بيانًا وشفاءً وهدى . فيصير كتاب الله مثار اختلاف الناس ومصدر خصومتهم وليس حكمًا بينهم فيما اختلفوا فيه .
-وبالتالي يصير الهدى ببواطنكم وتأويلاتكم لا في آيات القرآن .
ولا يجوز أن يكون البيان الذي ذكره الله محتاجًا بدوره إلى بيانات المتكلمين ، وهذا رد على من زعموا أن الله ابتلانا ليعلم أنؤول أم لا .
? وقد ذكر الشهرستاني أن من معاني التعطيل"تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها"وهو مذهب الفلاسفة الإلهيين [1] . فوافقهم الأشاعرة وقالوا جميعًا بأن ظاهر الصفات غير مراد ، فجعلوا المعنى الفاسد للصفة هو ظاهر اللفظ ثم جعلوه بعد ذلك محتاجًا إلى تأويلات تخالف الظاهر .
وزعموا بلا دليل أن الله أراد معنى باطنًا خلاف ظاهر ما أنزل ، وهذا يتطلب أن يكون الله أوحى إليهم أنه أراد هذا ولم يرد ذاك .
? والحبشي يَرُدّ المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ ، مع أنه أجاز إثبات الصفات على ظاهرها بشرط نفي التشبيه [2] وهذه هي طريقتنا ونبرأ إلى الله ممن يزعمون أننا نأخذها على ظاهرها مع اعتقادنا التشبيه ، فهم يعرضون مذهب خصمهم بلا إنصاف كقول الكوثري إننا نثبت لله اللهوات والأضراس [3] .
? وقول الحبشى بالتأويل مخالف لقول السلف"أمرُّوها على ظاهرها من غير كيف"ومخالف لقولهم"تفسيرها ظاهرها"فالسلف يأمروننا بمخالفة الجهمية الذين يجعلون للصفات معان باطنة يكفّرون من لا يوافقهم عليها . فأيهما نتبع ؟ هل نتبع السلف الذين قالوا: تفسيرها ظاهرها أم نتبع الجهمية الذين قالوا ظاهرها كفر ؟.
? ونحن نطالبكم إن كنتم على يقين مما تذهبون إليه: هل منكم من يقول: يا رب أشهدك أني كافر بظواهر آياتك ، وأن الإيمان بظاهرها هو الكفر وأن الكفر بظاهرها هو الإيمان .
-والحبشي يحتذي حذو الجهمية ويخالف نهج السلف ويهددنا بالتكفير إن أخذنا نصوص الصفات على ظاهرها ، ونحن نشاققه ونتبع سبيل المؤمنين ثم الله يفصل بيننا يوم القيامة . ونسأله: هذا الذي ظاهره كفر: هل علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كفر أم لم يعلم ؟ وهل حذر أمته منه وهو الذي قال"ما تركت شيئًا يقربكم من الجنة إلا أمرتكم به ، وما من شيء يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه"؟ أقيموا علينا الحجة وإلا لا حق لكم في زعمكم أن من أخذ بظاهر نصوص القرآن والسنة يقع في الردة والكفر !
? ودعوى أن الله أراد غير هذه الظواهر أمر لا يمكن إثباته ، لأنه لا يخرج عن كونه احتمالًا باعترافهم ، فهم صرفونا عن ظاهر كفري إلى بواطن محتملة مشكوك في موافقتها لمراد الله ، فلم ينقذونا من الكفر ، بل أوقعونا في الحيرة ، وقد كان عليهم أن يخرجونا من الكفر إلى الإيمان لا من الكفر إلى الشك .
(1) نهاية الاقدام 123 و 127 .
(2) الدليل القويم 43 .
(3) مقالات الكوثري 392 ط: المكتبة الأزهرية .