فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 1116

ثم إن هذه الدعوى يمكن أن تضطرد في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن أن يلتمس منه معرفة مقاصد الشارع الحكيم ، وهذا مسخ للشريعة مضى عليه الباطنيون وبقيت مخلفاته في المؤوِّلة الذين يجعلون الظاهر كفرًا وضلالًا والباطن هدى وإيمانًا .

? ونحن نسأل ؟ هل هناك سبيل أهدى من هذه الطريقة لنتبعها إن كنتم صادقين ؟ ألم يتفق كبار أئمة التأويل على أن التأويل يحتمل أن يكون موافقًا لمراد الله وأن طريق السلف كان إثبات النصوص وتحريم التأويل؟!

قال الجويني"ولو ساغ حمل أي لفظ على أي معنى يحتمله دون دليل لأدى ذلك إلى إبطال العمل بظواهر النصوص الشرعية وعدم الثقة بها ، ولصار ذلك مدخلا لكل مبطل للطعن في الشرع بتحريف نصوصه وصرفها عن ظاهرها لمجرد الاحتمال دون دليل" [1] .

وأوصى الغزالي المؤول"أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات ، فإن الحكم على مراد الله ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالظن والتخمين خطر... فالتوقف في التأويل أسلم" [2] .

فأي حجة تقيمونها على الآخذ بالظاهر وليس عندكم من البديل إلا تأويلات باطنية محتملة موافقة لتأويلات المعتزلة ، محفوفة بمخاطر الكذب والجرأة على الله ، فليس لكم حجة في تكفيره سوى حمل وزر تكفيره بلا برهان فطرحتم حسناتكم له واستبدلتموها بسيئاته ؟!

? ثم ما المانع أن نقول: ظاهرها مراد لله مع نفي التشبيه ، فآية الاستواء على ظاهرها ولكن ليس استواؤه كاستوائنا ، وهكذا...

? ولماذا يصف الله نفسه بما ظاهره الكفرُّ ؟ العجزٍ في البيان أم لتضليل الناس ، مع أنه أنزل كتابه ليكون هدى للناسَ وشفاء لا ليكون ضلالًا ومرضًا ؟ تعالى الله أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا الكفر .

? فإن ما يظهر لنا غير ما يظهر لكم ، ونحن لا نسلم لكم أن الظاهر من النصوص الكفر ، بل لم يظهر للسلف ما ظهر لكم ولهذا لم يتكلموا بطريقتكم في التنزيه . ولم يعرف إلا عن جهم والمعتزلة ثم عنكم .

فنصوص القرآن والحديث لا تتعارض مع العقل السليم المسلّم ، والله يوفق لفهمها من شاء ويحرمه من شاء ، وعقوبة أهل الكلام الحرمان من فهم كلام الله ، وهم بمنزلة من قالوا بعد خروجهم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } فإن تحريفهم لمعانيه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا .

لأنهم كما قال عنهم أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً ، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا ، وأُعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة: { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } .

? القاعدة الأولى: أنه إن كان الظاهر غير مراد فما الحكمة من إرادة ظاهر غير مراد لا يفيد علمًا بل يضرهم في إيمانهم ومفاهيمهم ويغريهم بالتشبيه ؟!

كيف يخاطبنا الله بما يريد إفهامنا خلافه ؟ أفلا أوحى إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن لا نفهم حتى نحذر من الكفر كما حذر آدم من الاقتراب من الشجرة ولم يقل له اقترب وهو يريد منه خلاف ظاهره .

هلا نزهتم الله عن الكذب ؟

يجيب عن ذلك الرازي بأن الحكمة مراعاة أحوال العوام في أول أمرهم فيخاطبون بما يدل على التجسيم والتحيز والجهة لأن ذلك يناسب ما تخيلوه وتوهموه" [3] ، وعاد قوله موافقًا لقول الفلاسفة"

(1) البرهان في أصول الفقه للجويني 1/516 .

(2) قانون التأويل 240- 241 .

(3) أساس التقديس 192 التفسير الكبير 7/172 وانظر الباز الأشهب لابن الجوزي ص 38 إتحاف السادة المتقين 10/ 181 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت