فهرس الكتاب
الذين زعموا أن الله خاطب العوام بلغة التجسيم ولم يخاطبهم بلغة التنزيه مثل أن الله ليس في جهة ولا مشار إليه حتى لا يظنوا ذلك تعطيلًا ونفيًا لوجود الله ..
ثم قال الرازي"إن الأخبار المذكورة في باب التشبيه بلغت مبلغًا كثيرًا في العدد ، وبلغت مبلغًا عظيمًا في تقوية التشبيه ، وإثبات أن إله العالم يجري مجرى إنسان كبير الجثة عظيم الأعضاء ! وخرجت عن أن تكون قابلة للتأويل" [1] .
قال التفتازاني"فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة [ يعني نفي علو الله على عرشه وفوقيته ] فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد تصريح بنفي ذلك [2] ؟"
أجاب التفتازاني بأنه"لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصُر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة: كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه ، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث" [3] .
ولكن: إذا كان الأنسب والأقرب إلى إصلاح الناس والأليق بدعوتهم إلى الحق أن يخاطبوا بمثل ذاك الخطاب ، فلِمَ لا تخاطبونهم به ، ولماذا تكفرون من خاطبهم بهذا الأليق والأنسب ؟
وأين المرحلة الثانية (التنزيه) بعد المرحلة الأولى (التشبيه) ؟ لماذا لم يتكلم الله بها ؟
إن أقوالكم موافقة لأقوال القرامطة والباطنية الذين زعموا أن الله يستدرج العوام بالكذب ليوصلهم إلى الحق .
تبًا لكم ! أجعلتم آيات الله مصيدة للوقوع في الكفر والتجسيم ؟
? القاعدة الثانية: أن قولهم (ظاهره يوهم الكفر) : معناه أن كلام الله يأتيه الباطل من بين يديه . وأن الله تكلم لكلام فاسد ظاهرًا ، بخلاف كلامكم (استولى) فهو صالح ظاهرًا وباطنًا ، وكأن كلامكم هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، فالله يقول عن كتابه { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } وهؤلاء ينتهون إلى أنه يأتيه الباطل من ظاهره .
? القاعدة الثالثة: أن هؤلاء الذين يمنعوننا من الأخذ بالظاهر ليس عندهم إلا بواطن محتملة قد اختلفوا عليها فيما بينهم ! فمنهم من يرى اليد لله بمعنى القدرة ، ومنهم من يراها بمعنى النعمة ، ومنهم من يراها بمعنى الذات ، حتى ذكر الحافظ لهم خمسًا وعشرين تأويلًا مختلفًا [4] ، ومنهم من يرى أن معنى { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } أي جبريل ، ومنهم من يرى أن معناه جموع الملائكة . ومنهم من يرى أن نزول الله مؤول بنزول رحمته ، ومنهم من يرى أنه نزول الملك بأمره ومنهم من يرى أنه نزول أمره !
(1) المطالب العالية 9/213 .
(2) الحمد لله أن التفتازاني أقر السائل على عدم وجود ذلك .
(3) شرح المقاصد 2/50 وقد زعم أنه رأى النبي e يقظة فتفل النبي في فمه فتضلع علمًا ونورًا (شذرات الذهب 6/321) وكتبه تدل على أنه تضلع فلسفة وجدلًا .
(4) أنظر فتح الباري 13/394 .