فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 1116

فإن الصفات تقوم بالأجسام وبغير الأجسام ، فالليل طويل والنهار قصير وبالعكس ، وهما ليسا جسمين .

والأجسام ليست متماثلة ، فالهواء جسم والماء جسم وليس الهواء كالماء وأبدان الحيوان ليست كأجسام الحديد فإذا كانت الأجسام المخلوقة تتفق في لفظ الجسم وتختلف حقائقها ، فما بين المخلوق والخالق أولى ، مع العلم أنا لا نطلق لفظ الجسم على الله ، إذ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ، ثم القول بتماثل الأجسام مخالف للعقل ومأخوذ من المعتزلة فإن الثلج لا يشبه النار ولا الخبز يماثل الحديد .

ثانيًا: لو كان التأويل ضرورة للتنزيه لأمر الله به ، إذ هو أعظم تنزيهًا لنفسه من خلقه مع علمه أن ذوي الفطر السليمة يكفيهم الجمع بين آيات الصفات وآيات التنزيه . ولكن تنزيه هؤلاء: تكذيب في صورة تنزيه . إنه استدراج واستدرار لعواطف العوام وترويج لسلعة التعطيل وتزيين للباطل . بل تنزيه أهل الكلام معول هدم للدين .

ومن هنا نسأل الحبشي: هل تعتقد أن هذه الآية { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } كافية في إزالة شبهة التشبيه أم ليست كافية بما يحتم اللجوء إلى علم الكلام ؟ إن قلت ليست كافلة فقد زعمت أن الله ما أكمل البيان وليس كتابه شفاء للصدور ، بل يُمرِض الصدور ويوهم الضلال . وإن قلت كافية قامت الحجة .

تحريف معاني الصفات من عمل اليهود

ويجدر التنبه إلى أن المؤولة يكتمون الناس حقيقة مهمة وهى: أن أهل الكتاب كانوا يحرّفون معاني النصوص . وهو ثابت عنهم كما قال ابن عباس" { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } : يزيلون ، وليس أحد يُزيل لفظ كتاب من كتب الله ، ولكنهم يحرّفونه: يتأولونه عن غير تأويله"وصرّح الحافظ بأن تحريف أهل الكتاب لمعاني النصوص لا يُنكر بل موجود عندهم بكثرة [1] .

وقد قسم الدهلوي التحريف إلى نوعين ، الثاني: تأويل فاسد يحمل الآية على غير معناها بتحكم وانحراف عن الصراط المستقيم ... فكانوا يؤولون آيات فيها بشارة هاجر وإسماعيل ببعثة نبي في أولادهما ... كانوا يؤولونها بأن ذلك إخبار بوجود هذه الملة وأنه ليس فيه أمر بالأخذ بها"."

ثم أشار إلى وجود من يشابههم في هذه الأمة فقال"فإن شئت أن ترى أنموذج اليهود فانظر إلى علماء السوء من الذين يطلبون الدنيا ... أعرضوا عن الكتاب والسنة وتمسكوا بأحاديث موضوعة وتأويلات فاسدة"وانتهى إلى ما يلي"فإذا قرأت القرآن فلا تحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا ، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج بحكم الحديث: لتتبعن سنن من كان قبلكم" [2] .

والمؤولة أمثال الحبشي يتهربون من تبيين هذه الحقيقة حتى لا يقول الناس إن الحبشى يضاهيء أهل الكتاب في تحريف معاني النصوص التي يسميها زورًا بـ (التأويلات) جاعلًا الاستواء بمعنى الاستيلاء والغضب بمعنى العقوبة والرضى بمعنى الثواب الخ ... متذرعًا بذريعة التنزيه . ثم يرتكبون جريمة أخرى حيث يزعمون أن السلف كانوا يؤولون هذا التأويل الذي أثبت ابن عباس أنه أصل عمل اليهود .

فهم قد جنوا على النصوص من وجهين: بنفي ظاهرها الذي دلت عليه ، وبإثبات معنى آخر لا تدل عليه .

(1) فتح الباري 13/524 .

(2) الفوز الكبير في أصول التفسير 27-28-31-39 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت