فهرس الكتاب
ونرد عليه من خلال أتباعه ، فقد اعترف الأحباش بأن السلف قالوا: الله أعلم بالمراد فيها ، أما الخلف فحددوا لها معاني [1] .
ونقل المرتضى الزبيدي عن القشيري اعترافه أن من السلف"الشافعي ومالك وأحمد والمحاسبي والقلانسي اختاروا عدم التأويل للمتشابهات"وأن أحمد سد باب التأويل على الإطلاق [2] كما نقل عن والد الجويني أن طريقة كثير من السلف كابن عباس وعامة الصحابة الإعراض عن الخوض في التأويل [3] .
فالجويني رجع عن التأويل وصرح بأنه خلاف طريق السلف . قال الحافظ في (الفتح 13/407) "وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: الذي صرح بأن أئمة السلف ذهبوا إلى الانكفاف عن التأويل"و"مذهب السلف إجراء الصفات على ظاهرها دون تأويل" (النظامية 21-24) .
وهنا نسأل الخلف: هل أذن لكم السلف بالتأويل ؟ أم أن الخلف شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ؟ هل قالوا لكم: لكم أن تختاروا إما طريقتنا في التفويض أو طريقتكم في التأويل !
بل إن جمهور الأشاعرة والماتريدية متفقون على أن طريق السلف التفويض وطريق الخلف التأويل ، ولولا ذلك ما وجدنا صاحب جوهرة التوحيد يفرّق بين طريقة السلف وبين طريقة الخلف فيقول:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شرٍ في ابتداع من خلف
فلم يكن التأويل بهذا المعنى طريقة السلف كما حكى الشهرستانى عن أحمد والسلف المتقدمين أنهم قالوا"لا نتعرض للتأويل" [4] ، بل كان التأويل عند السلف هو التفسير وليس التحريف الذي هو حقيقة تأويل الخلف . ولم يكن التفسير بالرأي والاحتمال طريقة السلف كما هو حال الخلف . فان الخلف يشهدون على أنفسهم أن تحريفاتهم محتملة مظنونة . بل هي طريق الجهمية . فقد قال ابن خزيمة"وزعمت الجهمية المعطلة أن معنى قوله تعالى { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي النعمتان ، وهذا تبديل لا تأويل" [5] .
والقائل بأن السلف أولوا:
? إما أن يقول: علم السلف تأويلاتنا فنطالبه بالدليل على ذلك .
فان عجز- وسيعجز- نسأله إن علموه كيف كتموه ولم يبلّغوه وأنت تميزت عليهم بالتبليغ ؟ وإذا لم يبلغوه من أين توصلت أنت إلى العلم به ؟
وإن قال: لم يعلموه ، سألناه: إذا لم يعلموه: كيف علمته أنت ؟
? إن كنتم اخترتم التأويل اقتداء بالسلف فهل قولكم (استوى: أي استولى) اقتداء بقول الصحابة .
وقد قال الطحاوي"وكل ما جاء من الحديث الصحيح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو كما قال وعلى معنى ما أراد: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ، وأن التأويل المعتبر ترك التأويل ولزوم التسليم فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله عز وجل ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - . ولا تثبُت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام . فمن رام عِلْمَ ما حُظِرَ عنه عِلمُه ، ولم يقنع فهمُه بالتسليم: حجبه مُرامُه عن خالص التوحيد فيتذبذب بين الإيمان والكفر [6] ."
(1) مجلة منار الهدى 25/52 .
(2) إتحاف السادة المتقين 2/12و79 .
(3) إتحاف السادة المتقين 2/110 غير أنه اتهم السلف بالتفويض ورد عليه القشيري كما في نفس الصفحة .
(4) الملل والنحل 137:1- 138.
(5) كتاب التوحيد لابن خزيمة 1/197 .
(6) انظر متن العقيدة الطحاوية في كتاب إظهار العقيدة 352.