فهرس الكتاب
وإذا لم يكن لهذا التأويل ضابط فلا ميزان له ، فكيف يكون مهيمنًا على القرآن الذي أنزله الله ليكون هو الميزان ، وكيف استساغ قوم الضلالة فجعلوا تأويلات ومناهج أهل الكلام وأرباب الجدل مهيمنة على كلام ربنا ، فقرروا رفض ظواهر وحيه ؟!
? أما نحن فضابطنا في إثبات صفات الله سليم وغير متناقض ونتائجه صحيحة ، فإننا نثبت الصفة مع مراعاة التنزيه بضابط { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } كما قال الغزالي"إن علاج وهم التشبيه أسهل من علاج التعطيل ، إذ يكفي أن يقال مع هذه الظواهر { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [1] ."
فهذه الطريقة القرآنية أغنتنا عن طريقتكم في التنزيه ( ليس بذي أبعاض وليس له أصمخة ) وأغنتنا عن تأويلاتكم المستقبحة كقولكم (استوى: استولى) (يد الله: قدرته) (ينزل ربنا: ينزل الملَك بأمر ربنا أو ينزل أمر ربنا) (يجيء: يجيء أمره) (في السماء: أي عظيم القدر جدًا) فإن القرآن دواء ليس بعده داء ، ودواؤكم داء بعده أدواء كمن يتداوى من الجنون بالكي .
? ولذلك لم يكن للسلف بالتأويل حاجة ، وإنما كان طريقهم إثبات ما أثبته الله لنفسه . والنفوس إذا لم تنضبط بضابط معين: انفتح لها باب من العبث والهوى فتصير الشريعة عرضة للآراء والأهواء التي لا تتفق فيما بينها في الغالب ، كما هو حال الباطنية من التأويلات المتعسفة التي لم تعرف حدًا .
ولهذا صرح الغزالي بأن صرْف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة يعتبر من الطامات ، فإن الباطن لا ضابط له وإنما تتعارض فيه الخواطر والعقول ، ويمكن تنزيله على وجوه شتى . وهذا من البدع الشائعة العظيمة الضرر [2] .
? القاعدة الحادية عشرة: أن المتكلمين متفقون على أن السلف لم يؤولوا وإنما كان التأويل طريقة الخلف . ولذلك قال اللقاني في جوهرة التوحيد:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شرٍ في ابتداع من خلف
? القاعدة الثانية عشرة: أن أهل التأويل معترفون بأن تأويلاتهم يُحتمل أن تكون مرادة لله ، كالجويني والشهرستاني والماتريدي وغيرهم [3] واعترف الكوثري بأنه لم يقدر أحد من مؤولي الصفات أن يقول إن هذا التأويل هو مراد الله جزمًا ، ولهذا اختار المحققون عدم تعيين التأويل [4] .
والمطالع لتأويلاتهم يلاحظ كثرة استخدامهم لفظ (يحتمل) ولو عدَّدنا هذه الكلمة عند كل تأويل لابن فورك [5] لوجدناها تبلغ العشرات . وهذا ما حدا بالكوثري إلى الطعن به حتى صرح بأن تأويلاته من قبيل تأويلات الباطنية [6] .
(1) إلجام العوام عن علم الكلام 96 و 107 و 108 ط الجندي .
(2) إحياء علوم الدين 1/37 .
(3) التوحيد للماتريدي 74 وانظر الملل والنحل للشهرستاني ا/ 138.
(4) تعليق الكوثري على كتاب دفع شبه التشبيه ص 74 ط: المكتبة التوفيقية.
(5) كما في كتابه مشكل الحديث وصفه الذهبي بأنه صاحب فلتة وبدعة طبقات السبكي 4/133 محققة .
(6) تعليقات الكوثري على الأسماء والصفات 452 ط: دار الكتب العلمية .