فهرس الكتاب
ولهذا قال الحافظ في الفتح"وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله"وتكرر قوله بأن"صاحب التأويل ليس جازمًا بتأويله". واحتج المرتضى الزبيدي بهذه العبارة [1] .
وهذا الذي اعترف به الفخر الرازي معتبرًا أن التأويل ترجيح ، والترجيح ظن والظن لا يُعوَّل عليه في المسائل الأصولية القطعية [2] وقال الشعراني"إن الله تعالى ما أمرنا أن نؤمن إلا بعين اللفظ الذي أنزله ، لا بما أوَّلناه بعقولنا ، فقد لا يكون التأويل الذي أوَّلناه يرضاه الله تعالى" [3] .
وإذا كان الظن هو عمدة التأويل سقط الاستدلال به ، حسب القاعدة المشهورة"ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال"وإذا كان التأويل مجرد ظن فبماذا يجيب المؤول غدًا يوم الحساب { حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [النمل 84] { أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف 28] .
على أننا مستعدون لأن نعيد النظر في موقفنا من التأويلات بشرط أن يعدل المؤولة عن اعترافهم بأن التأويل محتمل .
? القاعدة الثالثة عشرة: أنه لو كان تأويلها الباطن قطعيًا بأنه مراد الله لما جاز الأخذ بظواهرها ، لكن الزاجر لنا عن الأخذ بالظاهر ليس عنده إلا باطنًا محتمل التأويل ، فكيف يتحكم ويجعل الأخذ بالظاهر كفرًا والأخذ بالمحتمل واجبًا ؟
? القاعدة الرابعة عشرة: أن الأصل في الألفاظ الحقيقة ولا يُعدَل عنه إلا بدليل وحملها على غير ظاهرها يعتبر إخراجًا لها عن أصلها إلا بدليل ، وهذا متفق عليه بين الأشاعرة والماتريدية [4] .
قال ابن عبد البر"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها ، وحمْلها على الحقيقة لا المجاز ، إلا أنهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة مخصوصة" [5] وبهذه الطريقة يحصل الجمع بين إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات ، وبذلك ينجو العبد من الانجرار في تيار التعطيل وبين تنزيه الله عما لا يليق به مما يليق بالمخلوقين وينجو من تيار التشبيه . وقد اعترف الحبشي أن تأويل النص من الحقيقة إلى المجاز عَبَثٌ في النصوص [6] .
? القاعدة الخامسة عشر: أن الله جعل القرآن هدى وبيانًا وشفاء ، وأما هؤلاء فيلزم من كلامهم أن الله لم يبين أحسن التبيين وأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - كتم أو جهل ما يجب تأويله ، وأن في ظاهر كلام الله ما يؤدي إلى الضلالة ، وأنه ألغاز لم يفكها ولم يحلها إلا أهل المنطق والكلام ، امتازوا بذلك عن الله ورسوله والصحابة والتابعين . وكأن أهل المنطق والكلام خير من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(1) فتح الباري 13/353 و 383 وانظر إتحاف السادة المتقين 2/112 .
(2) التفسير الكبير للرازي 169:7.
(3) اليواقيت والجواهر 106:1.
(4) الطراز 1/77 المحصول للرازي 1/1/47 تيسير التحرير 2/46 وانظر شرح الأصول الخمسة 735 .
(5) التمهيد لابن عبد البر 7: 145.
(6) صريح البيان 147.