فهرس الكتاب
? القاعدة السادسة عشرة: أن العلم بكيفية الصفات يستلزم العلم بالذات . فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله . فإذا كانت ذاته لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين . فإن قيل كيف يستوي ؟ قيل له: كيف هو ؟ فإن قال لا أدري قيل له: ونحن لا ندري كيفية استوائه . فإن العلم بالصفات يستلزم العلم بالذات .
ولما كان العلم بكيفية ذات الله مستحيلًا إلا من خلال ما أعلمنا الله به صار تأويل صفاته محرمًا ووجب الاقتصار في معرفة الله حينئذ على ما وصف به نفسه ووصفه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تشبيه ولا تمثيل ، وعلى الوجه اللائق به .
? القاعدة السابعة عشرة: أن الأشاعرة يكيلون بمكيالين: يجيزون التأويل في الصفات ويحرمونه فيما سواه كعذاب القبر ، مع أن القول في القبر بغير علم أقل شأنًا من القول في الله بغير علم .
ولهذا لما أنكر الأشاعرة على الفلاسفة تأويلهم عذاب القبر بالعذاب النفسي مثلما يرى النائم الأحلام المزعجة ، قال لهم الفلاسفة:
قولنا في عذاب القبر كقولكم في صفات الله ، لا يمكن التفريق بينهما في الشأن الواحد .
فإن قلتم: إن الرسل أجمعوا على المجيء بنصوص المعاد فلا يمكن تأويلها .
قيل لكم: وقد أجمعوا على نصوص الصفات ، فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يُمنع ههنا .
وإن قلتم: العقل أوجب تأويل نصوص الصفات دون المعاد .
قيل: هاتوا أدلة العقول التي أولتم بها الصفات ، ونحضر نحن أدلة العقول التي أولنا بها المعاد وحشر الأجساد ، نوازن بينها ليتبين أيها أقوى .
فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيب لما علم من دين الرسل بالضرورة .
قلنا: وإنكار الصفات تكذيب لما علم أنهم جاءوا به بالضرورة .
فإن كان تأويل عذاب القبر جريمة فتأويل صفات الله جريمة أكبر .
وكيف نُعاقَبُ نحن على تأويلنا وتؤجرون أنتم على تأويلكم ؟!
? القاعدة الثامنة عشرة: أنه لا مهرب من وصف الله بصفة .
فإن كل فرقة لا بد لها من وصف الله ببعض الصفات مهما فرَّت من ذلك:
-فالفلاسفة الذين نفوا كل صفات الله اضطروا أن يصفوه بأنه خيرٌ محض. وأنه معشوق تعشقه المخلوقات .
-والجهمية الذين نفَوْا الصفات لا مهرب لهم من وصف الله بصفات على وجه الضرورة مثل صفة الوجود فإن أقروا بأنه موجود - والعبد موجود - أقروا على أنفسهم بأن الاشتراك في صفة الوجود لا يؤدي بالضرورة إلى التشبيه بين الموجودَيْن . وهذا ما يقوله أهل السنة وهو ما رجحه الرازي في نهاية العقول والجويني في الشامل .
-والمعتزلة الذين نفوا الصفات وأقروا بالأسماء ، فقيل لهم: لا فرق بين ما أثبتموه وبين ما نفيتموه ، فإن كان لا يوصف عندكم في الشاهد إلا ما كان جسمًا فكذلك لا يسمى في الشاهد إلا ما كان جسمًا . والاحتجاج بالفرار من التشبيه ذريعة مشتركة بين المعتزلة والجهمية ووسيلة إلى نفي ما وصف الله به نفسه . ومن المعتزلة من لم يُثبِت من الصفات إلا ثلاث صفات .
-والأشاعرة يثبتون لله سبع صفات فقط: هي الإرادة والحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ، ويرون أنه لا بد من اتصاف الله بالصفات ، وأن إثبات هذه الصفات لا يوهم تشبيها . فالفرق