فهرس الكتاب
-ونفي الصفات بحجة التركيب والتجسيم من شبهات الفلاسفة واعتمدها المعتزلة قاعدة لهم في نفي ما وصف الله به نفسه ، وصارت هذه الحجة الفلسفية المتقدمة حجة الاشاعرة المتأخرين . وقد حكاها الغزالي عن الفلاسفة وأبطلها في كتابه قائلا"قول القائل: كل تركيب يحتاج إلى مركب كقوله: كل موجود يحتاج إلى موجد ، وإذا أثبتم ذاتًا وصفة وحلولًا للصفة بالذات فهذا تركيب" [1] ، وعقد الجويني في الشامل (ص 414) فصلًا حول تبني المعتزلة لحدوث الأجسام وبيّن فيه عجزهم عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسمًا . وبيّن الرازي فساد هذا الدليل في المباحث الشرقية والمطالب العالية .
-وبالجملة فيقال لكم ما قد قيل للمعتزلة من قبلكم: سموا إثبات صفات الله تركيبًا وحشوًا وتجسيمًا ، ذلك قولكم بأفواهكم ، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرًا لم يحرم بسبب ذلك .
-فإما أن تثبتوا جميع الصفات على الوجه اللائق به سبحانه وإما أن تؤولوا الجميع فتكونون والجهمية سواء بسواء . فإن موضوع الصفات من حيث الحكم شيء واحد ، فكما أن الإنسان يوصف بالاستواء والنزول واليدين ولذلك نزهتم الله عنها: فكذلك يوصف بالحياة والعلم والقدرة - وهي أعراض- فلِمَ لم تنزهوا الله عنها بالتأويل ، وكيف جاز عندكم قيام الأعراض بالله ؟ فإذا أثبتموها على وجه لا يكون تركيبًا لزمكم حينئذ أن تثبتوا الاستواء والنزول والأصابع والرجل على وجه لا يكون تركيبًا .
مثال ذلك: تأول الأشاعرة صفات الرضا والغضب والمحبة والبغض لله تعالى على معنى الإرادة . فقالوا (يغضب) كناية عن إرادة الانتقام ، ويرضى بمعنى إرادة الثواب [2] . وكان هذا من جملة تناقضات الأشاعرة فيما بينهم: حيث زعم جمهورهم بأن كل ما يريده الله فهو يحبه ، وأنه يريد الكفر ويحبه ويرضاه ، وأن الإرادة والرضى والمحبة بمعنى واحد [3] . وعزا السبكي القول باتحاد الإرادة والمحبة إلى جمهور الأشاعرة غير أنه اختار لنفسه خلاف ما اختاره عامة الأشاعرة فقرر أن الرضا غير الإرادة [4] .
ومما يبطل تأويل المحبة بالإرادة أن يتخلف المراد عن الإرادة ، فإن كثيرًا مما يحبه الله ويرضاه لم يقع ، فالله يحب لأبي جهل أن يسلم لكنه لم يفعل فتخلف مراد الله أي محبته .
ومما يُبطله: دعاءُ النبي - صلى الله عليه وسلم -"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك"ففرّق بين الغضب وبين العقوبة .
ثم إن غالب الأشاعرة جوزوا تأويل النزول والاستواء بحجة أن ذلك يوهم الأعضاء والتركيب لله تعالى ، ولكنهم تناقضوا حين أثبتوا اليد وهي عضو مشعر بالجسمية موهم بزعمكم للتركيب أيضًا .
? ونقل شارح الفقه الأكبر عن الإمام الطحاوي قوله"ولا يقال إن الرضى إرادة الإكرام والغضب إرادة الانتقام فإن هذا نفيٌ للصفة ...". ثم توجه الشارح إلى من تأوَّل هذه الصفات قائلًا"لماذا تأولتَ الغضب بإرادة الانتقام والرضى بإرادة الإنعام ؟ فلابد أن يقول: لأن الغضب غليان القلب ، والرضى: الميل والشهوة ، وذلك لا يليق بالله تعالى . فيقال له: وكذلك"
(1) تهافت الفلاسفة 176
(2) الأسماء والصفات للبيهقي 1/306 تحقيق حيدر تمهيد الأوائل 47. مشكل الحديث وبيانه 332-344 وقد عارض السبكي ذلك في فتاويه (3/482 وانظر 10/ 295 محققة) .
(3) أنظر نظم الفرائد 9 مجرد مقالات الأشعري لابن فورك 45 كتاب الأصول والضوابط للنووي ص 34 طبقات السبكي 3/385 محققة .
(4) طبقات السبكي 10/295 و 3/385 محققة .