فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 1116

وأنه ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل ، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة كما قالت المجسمة والكرّامية ، ولا على معنى العلو [ أي علو المنزلة ] ، والرفعة كما قالت الأشعرية ، ولا على معنى الاستيلاء كما قالت المعتزلة [1] .

وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعت المعتزلة والأشعرية" [2] . وإنما أخذ الجهمية التأويل عن الفلاسفة والباطنية، وتلقاه المعتزلة عن الجهمية."

وصدق رحمه الله فقد شهد بذلك ابن عساكر وغيره قال"وقد أخذ الجعد بن درهم [3] بدعته عن بيان بن سمعان ، وأخذها بيانٌ عن طالوت بن أخت لبيد بن أعصم زوج ابنته ، وأخذها طالوت عن لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذها لبيد عن يهودي بالمدينة [4] ."

هذا هو سند المذهب الأشعري ، إنه يصل إلى الجهم عن طريق الجعد وواصل بن عطاء ، وليس يصل إلى أبي موسى الأشعري .

وقال الشهرستاني"كان واصل بن عطاء يَشرَع في نفي الصفات على قول ظاهر، وإنما شَرَعَت أصحابُه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة" [5] .

مذهب أبى الحسن الأشعري في الصفات

وكان أبو الحسن الأشعري رحمه الله من المعتزلة ، غير أنه رجع عن ذلك إلى إثبات جميع ما وصف الله به نفسه ، وأعلن أن"مذهب أهل السنة والجماعة عدم التأويل، وأنهم يثبتون لله اليدين والعينين" [6] والوجه والاستواء ولا يتأولون ذلك" [7] ."

-وقد سرد الذهبي عقيدة الأشعري الموافقة لأهل السنة وخروجه عن التأويل الذي كان عليه المعتزلة [8] .

-غير أن المنتسبين إليه من بعده يتجاهلون ما انتهى إليه حال الأشعري رحمه الله من إثبات ما أثبته الله ورسوله. ويجهلون حقيقة عقيدة المعتزلة في كثير من كتبهم ومن هنا خفي على الأشاعرة المتأخرين التأويلات المتقدمة للمعتزلة فتبنَّواْ تأويلاتهم ودافعواعنها معتقدين أنها تأويلات أهل السنة بينما هي عين تأويلات المعتزلة .

وظن آخرون منهم أن المعتزلة لم يكونوا يؤولون الصفات وإنما كانوا ينفونها ويكذبونها. وهذا غير صحيح وإنما كانوا يقولون ما يقوله كثيرون اليوم: نؤمن بهذه الصفات لكننا نعتقد أن ظاهرها غير مراد [9] .

(1) - صار هذا القول قول عامة الأشعرية اليوم.

(2) - العفة لطالبي الحق 56-57.

(3) - وهو من رؤوس الجهمية قال له وهب بن منبه"إني لأظنك من الهالكين ، لو لم يخبرنا الله أن له يدًا وأن له عينًا ما قلنا ذلك. (سير أعلام النبلاء 5 / 433 ) ."

(4) - البداية والنهاية لابن كثير 9/ 350.

(5) - الملل والنحل 1/ 46 وانظر1 / 30 .

(6) - وقوله: والعينين يؤكد أنه لا يتأول هذه الصفة لأن الذي يتأولها لا يثنّيها وإنما يجعلها كناية عن الرؤية.

(7) - مقالات الإسلاميين 291 وهذا الكتاب أثبته الحافظ ابن عساكر من جملة كتب الأشعري (التبيين 131) .

(8) - سير أعلام النبلاء 18: 284 .

(9) - متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار المعتزلي ص 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت