فهرس الكتاب
وقد زعموا أن الاشاعرة قرروا مذهب أهل السنة بالأدلة العقلية: كذلكم قالت المعتزلة ما قبل .
وهو عودة بالناس إلى مذهب المعتزلة بعدما أبعدهم الأشعري عنه . فقد صرح القاضي عبد الجبار (رأس المعتزلة) أن"الأدلة أربعة: حجة العقل ، والكتاب ، والسنة ، والإجماع ، ومعرفة الله لا تُنال إلا بحجة العقل [1] ."
وذكر المرتضى الزبيدي أن المعتزلة"تصرفوا في الألفاظ بمقتضى عقولهم فأولوا وبدلوا" [2] . وكفى بذلك دليلا على تسرب المرض الاعتزالي إلى المذهب الأشعري .
فالمعتزلة أنكروا عذاب القبر [3] وبرهنوا لذلك بحجة عقلية جعلتهم يؤولون نصوص الكتاب والسنة فقالوا إننا نشق عن الميت بعد دفنه فلا نرى أثرًا لأي تعذيب. وقد حكمت عقولنا بما رأت عيوننا. وبمقتضى تقديم الرازي للعقل يصيرون معذورين فيما تأولوه. وهذا يؤكد أن قانون الرازي يمثل منعطفًا اعتزاليًا آخر.
فبأي ميزان حكم الرازي على أن الدليل العقلي (غير المعصوم) مقدم على الدليل الشرعي (المعصوم) ؟ وكيف حكمت عقولكم بوقوع العذاب للميت مع انعدام أثر التعذيب لمن عاين القبر؟ يلزمكم أن تقولوا بالعذاب النفساني لوقوع التعارض بين العقل والنقل بمقتضى قاعدة الرازي التي قرر فيها أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل !
فما أفسد ميزان من جعل المعصوم ظنيًا مؤخرًا ، وغير المعصوم قطعيًا مقدمًا عليه . هذه دعوة إلى التخلي عن الكتاب والسنة بعد أن ضمن النبي - صلى الله عليه وسلم - العصمة لمن تمسك بهما قائلا"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي"ولم يضمن العصمة لمن تمسك بعقله ، فإن كثيرا من الضالين عباقرة .
هؤلاء يزعمون أن العصمة حاصلة بما أوتوا من عقل .
هل وقف السلف موقفًا موافقًا لهذه القاعدة أم أن الشرع كان عندهم دائمًا مقدم على عقولهم . اسمع وتدبر:
نموذج من استخدام الصحابة للعقل:
فإنه لما أنكر أعرابي أن يكون ابتاع النبي - صلى الله عليه وسلم - منه فرسه وطلب شهودًا على ذلك فقدم خزيمة الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بايعته يا رسول الله ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - بم تشهد ؟ قال بتصديقك يا رسول الله . فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بشهادة رجلين" [4] ."
فهذه الحادثة تبين موقف العقل السليم من كلام الله ورسوله وأنه شاهد لهما بالصدق والكمال لا حاكما عليهما. وليس مدق التسليم للسمع ولا تعظيمه: تقديم العقل عليه وإلا كان ذلك قدحا في العقل نفسه ، حيث شهد بأن نصوص الشرع من عند الله وأن ما يأتي من عند الله لا يحصل فيه تناقض { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } .
فلا اعتبار لعقل لا يشهد بصدق النقل ، فالعقل ليس معصومًا والنقل معصوم والله تكفل بحفظ وحيه ولم يتكفل بحفظ عقول البشر من الزلل والخطأ .
(1) - شرح الأصول الخمسة ص 88 ط: مكتبة وهبة- مصر 1965
(2) - إتحاف السادة المتقين 2 /87
(3) -مقالات الاسلاميين 473 فضل الاعتزال 202.
(4) - رواه أحمد 5 / 216 وأبو داود ( 3607 ) .