فهرس الكتاب
فصفات الله صفات كمال ، والعقل دل على اتصاف الله بصفات الكمال ودل أيضًا على أن كل كمال اتصف به المخلوق وأمكن اتصاف الله به فالله أحق بهذا الكمال من المخلوق . والطعن بالأدلة النقلية طعن بالعقل الذي شهد بكمالها وعصمتها عن الزلل والخطأ لأنها من عند خالق العقل .
ومن وصية الله لعباده { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء 59 ] ، ولم يقل فرُدُّوه إلى عقولكم . فإن هذه العقول تتفاوت ، فمرة تثبت سبع صفات ثم تكتشف عقول المتأخرين ست صفات إضافية فيصير المجموع 13 ويكتشف آخرون سبعة أخرى فيصير المجموع 20 صفة ومن هذه العقول من يثبت صفة من الصفات فيأتي عقلٌ آخر ويجعل إثباتها كفرًا . وقد تقدم تصريح العز بن عبد السلام بأن الأشاعرة مختلفون في كثير من صفات الله تعالى [1] .
وهكذا فالعقول تتخبط ولا تستقر على شيء ، بينما أدلة الشرع ثابتة متناسقة لا تتغير. والدليل على ذلك أن ننظر إلى عبقرية رجل كابن سينا ، لم تستفد أوروبا من كتاب استفادتها من كتابه (القانون في الطب) غير أن علومه الدينية متخبطة ولم يزدد بعقله إلا زندقة وبعدًا عن الهدى .
تقليد أعمى لا عقلانية
إن القوم مقلدة في الحقيقة وليس عقلانيين .
فأي عقل دل الأشاعرة على صحة اعتقاد رؤية بلا محل ؟
بل يلزم عقلا نفي رؤية الله عز وجل لأن الرؤية تكون في محل ومقابلة ، وأما رؤية من ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل ولا خارج محال عقلا ومردود شرعًا .
إذ أي عقل يقبل رؤية العدم ؟
فإما أن تنفوا أن الله في العلو فيلزمكم معه نفي رويته .
وإما أن تثبتوا علوه تعالى كضرورة من أجل إثبات رؤيته.
وإلا فنقول لكم ما قاله لكم المعتزلة"من سلّم أن الله ليس في جهة وادّعى مع ذلك أنه يُرى فقد أضحك الناسَ على عقله" [2] .
إساءة استخدام العقل
ويقف الأشاعرة من العقل موقفًا متناقضًا:
-ففي مسألة رؤية الله تعالى يساوون بين العقل والنقل.
-وفي التحسين والتقبيح العقلييْن يقدمون النقل على العقل"خلافًا للمعتزلة"ويقولون بأنه يجب أن تكون التكاليف ومسألة البعث والجزاء شرعية لا عقلية .
-أما مسائل الصفات فإنهم جعلوها عقلية بالدرجة الأولى . وهذا اضطراب منهجي وتناقض صارخ. فإن من يتورع عن تقديم العقل في مسائل الحلال والحرام والبعث والنشور يجب أن يكون أكثر ورعًا في مسائل الصفات الإلهية .
(1) - قواعد الأحكام 172 الإعلام بقواطع الإسلام 24 ط: دار الكتب العلمية سنة 1407 والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي 2 / 350 .
(2) - شرح الأصول الخمسة 249 - 253 المغني لعبد الجبار 4 / 139 .