فهرس الكتاب
أن وجود الشرع ثابت قبل أن يثبت العقل وجوده ، ولا ينتظر الشرع من العقل أن يثبته . وقد شرع الله قبل خلق العقول. فإذا كان الدليل الشرعي موجودًا قبل خلق عقلك فكيف يكون عقلك دليلا مقدمًا عليه ؟
? أن الأدلة العقلية التي يسمونها (قواطع عقلية) يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها بينما الأدلة الشرعية لا يأتيها الباطل من بين يديها وما خلفها. والتباس المسائل على العقول دليل على وجوب تقديم شرع الله (الكامل ) على عقل الإنسان ( الناقص ) . ولقد أحسن الباقلاني حين ذكر مراتب الأدلة وجعل العقل في المرتبة الخامسة [1] : ويا ليت لسان حاله لازم لسان مقاله .
? أن العقول على نوعان: عقل ضال مختوم عليه وعقل مهتد موفق. فالعقل المختوم عليه تَرِدُ عليه الوساوس ويزين الشيطان فيه الباطل فيستحسنه ويقبح له الحق فيستشنعه . والمرض لا يصيب البطون والأعضاء فقط، وإنما يصيب العقول أيضا.
? أن المعلوم من حال المتكلمين: أن تاليهم يأخذ عن سابقهم ، وآخرهم يأخذ عن أولهم: تقليدًا أعمى وليس من نتاج أفكارهم . بل إن كثيرًا مما زعموا أنه عقليات ما هو إلا نقليات مأخوذة عن المعتزلة .
أن هؤلاء يجترئون على الله أن يقولوا: إذا تعارض العقلي والنقل قدمنا العقل ، ولكنهم لا يقولون أبدًا: إذا تعارض قولي مع قول شيخي قدمت قولي على قول شيخي . بل إذا تصوفوا أخذوا بالمبدأ الصوفي ( لا تعترض فتنطرد ) فهم يتعاملون مع كتاب ربهم وسنة نبيهم معاملة خالية عن التعظيم والثقة .
موقف أهل السنة من دور العقل
فأهل السنة يؤمنون:
ا) أن العقل الصحيح لا يمكن أن يتناقض مع النص الصريح . وقد قال الأحباش"أن الشرع لا يأتي بما تحيله العقول" [2] . فإن العقول لها حد ، إن وقفت عند حدها نجت وسلمت ، وإن تعدته ضلت وعطبت .
2)أن العقل شاهد على كمال الشرع وصدق السمع وصحته وعدم تناقضه وأن الرسول معصوم في خبره عن الله ، واثق من عدم تناقضه. فما أخبر الصادق المصدوق هو ثابت في نفس الأمر: تبين للعقل ثبوته أم لم يتبين ، وعدم العلم ليس علمًا بالقدم. فالعقل ليس أصلا لثبوت الشرع .
ولكن هل من العادة أن يقبل العقل الاكتفاء بمسح المتوضئ على الجوارب وغمس الذبابة في الإناء لولا أن الشرع أتى بذلك ، ومع ذلك ما زالت عقول بعض الأشاعرة تؤول حديث الذبابة وتنفر منه !!!
أليست العقول متفاوتة في إدراكها بين عقول تحيل رؤية الله وعقول تجوزها! ولو اتبع الحق اختلافات العقول بين محيل ومجوز لفسد وحي الله واختلط الحق بالباطل .
3)أن العقل من النقل بمنزلة العين من الشمس فالعين ضرورية للرؤية لكن وظيفة الرؤية تتعطل إن لم تمد الشمس العين بالنور الذي ترى به . ولولا نور الشمس لما أعملت العين وظيفتها. فالشرع منزّل من الله الذي خلق العقل ولا يجوز الوثوق بالعقل أكثر من شرع الله .
4)أن العقل من النقل بمنزلة العبد من السيد فليس من اللائق تقديم العبد على سيده مثلما يفعل المعتزلة حيث جعلوا عقولهم بمنزلة السيد وجعلوا الشرع عبدًا لهم .
(1) - الإنصاف 19.
(2) - الدائرة العلمية لشئون الخارج ورقة رقم (5) .