فهرس الكتاب
ثم إن الواقع أثبت عدم أهلية العقل لهذه المهمة ولو كان مؤهلا لاستخراج معان غير التي يدل عليها الظاهر فلماذا تخلى العقل عن هذه المهمة عند قسم كبير من الماتريدية والأشاعرة ففوضوا الصفات وتبرءوا من العلم بها والقسم الآخر منهم أولوا ولكن لم تأت عقولهم بمعان مقطوع بها وإنما محتملة، والاستدلال بالمحتمل محرم في العقائد عندهم .
? أن المؤولة من الأشاعرة والماتريدية يستاؤون من تأويل المعتزلة لنصوص عذاب القبر من عذاب حقيقي إلى آلام نفسانية معتبرين ذلك من ضلالات المعتزلة ، ويطالبونهم بالرجوع عن التأويل ، فهاهم هنا يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية ويطالبون المعتزلة أن يحذوا حذوهم ، ويحكمون بكفر من يتأول عذاب القبر إلى عذاب مجازي ، مع أنهم يقدمون الأدلة العقلية على النقلية في صفات الله ، ويستبيحون لأنفسهم الحكم على بعض صفات الله بالمجاز ويعدلون بها عن حقائقها بغير علم ولا هدى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [القصص50] ، علمًا بأن الخوض في ذات الله أعظم شأنًا من تأويل ما دون ذلك. فما هو مستندهم في تقديم عقولهم في الصفات وتأخيرها في مسائل القبر مع أن كلا المسألتين من الغيب الذي لا نعلم عنه شيئًا إلا بنص من كتاب أو سنة ؟
ولهذا لما أنكرت الأشاعرة على الفلاسفة إنكارهم عذاب القبر قال لهم الفلاسفة"قولنا في عذاب القبر كقولكم في صفات الله"بمعنى أننا وإياكم في التأويل سواء، فلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل في صفات الله وتحرمون علينا تأويل عذاب القبر والصراط والميزان ؟
وهم في مسائل البدعة يميلون إلى التحسين والتقبيح العقليين فيقولون: ما رأيناه من البدع حسنًا فهو عند الله حسن. وهذا تأثر واضح بالمعتزلة الذين يجعلون الرأي في الدين أصلًا يعتمدون عليه . ومخالفة لما قرره الأشاعرة بأنه لا مجال للعقل في التحسين والتقبيح وإنما يقتصر على ما استحسنه الشرع حتى قال التفتازاني"لو أمر- أي الله- بما نهى عنه صار حسنًا" [1] .
بين الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين
وكان الأشاعرة المتقدمون يُسَمَّوْن"الصفاتية"بسبب تميزهم عن المعتزلة بإثباتهم جميع الصفات .
ثم افترق المتأخرون من بعدهم: فرقة منهم تؤول الصفات ، وفرقة لم تتعرض للتأويل ، ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية [2] واستمر المتأخرون منهم في الخروج عن خط شيخهم أبى الحسن حتى أدى ذلك إلى اختفاء مذهبه في وهج من الفلسفة [3] .
وإذا كان الغلط في المتقدمين شبرًا فقد استفحل وتطور حتى صار في الأتْبَاع ذراعًا ثم باعًا.
وأبو الحسن قد وُفِّق إلى الصواب في أكثر المسائل إلا ما أخذ عليه في مسألة الكلام وأفعال العباد وهو فيها عالة على عبد الله بن كلاب الذي وصفه الأشاعرة المتقدمون كالبغدادي والشهرستاني بأنه شيخهم [4] .
ويصفه ابن حزم بأنه شيخ الأشاعرة القديم [5] .
(1) - شرح المقاصد للتفتازاني 4 / 282 .
(2) - الخطط المقريزية 3: 310 .
(3) - دائرة المعارف الإسلامية 3: 310 .
(4) - أصول الدين 104 ونهاية الإقدام 303.
(5) - الفصل 4: 208 .