فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 1116

ولهذا شهد الحافظ ابن حجر على الرازي بأن له"تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة ، وكان يورد شُبه الخصم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهاء [1] "

وشروطه من باب تكثير المقدمات من غير حاجة ، وهو كذب ظاهر فان الصحابة والتابعين وأئمة الفقه والنحو والتفسير لم يطرحوا مثل هذه الشروط التعجيزية لقبول النصوص السمعية.

والذين { بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } إنما استفادوا اليقين من الأدلة اللفظية فإن عقولهم لا تعرف شيئًا عن تفاصيل الآخرة ولا تهتدي إليه وهو ما اعترف المتكلمون به وصرحوا بأن أمور الآخرة والمعاد لا مدخل للعقل فيها.

لقد كان الرازي متفلسفًا يأخذ من قواعد الفلاسفة ويصبها في قالب المذهب الأشعري وكانت له شروح على كتب الفلاسفة أهمها (شرح إشارات ابن سينا) و (المباحث الشرقية) وفي هذا الأخير (1/382- 383) يوجه اللوم على من يشوه صورة الفلاسفة ولا يؤول كلامهم على أحسن المحامل ! ولذا وصفه السنوسي في الكبرى بأنه كان مولعًا بآراء الفلاسفة [2] .

غير أن الرازي قلَّتْ ثقته بالعقل الإنساني وأدرك عجزه فأوصى وصية تدل على أنه حسن اعتقاده فقال قبل موته"لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا..." [3] ونجد عند السبكي تفاصيل هذه الوصية [4] وفيها يظهر الندم على تعاطي علم الكلام عندما كان أشعريًا ، ولم تكن توبته من الاعتزال . فهل يجوز أن يظل بعض الناس مُصِرِّين على الاقتداء به في أصل الدين ؟ متجاهلين وصيته.

وقد أبدى قلة ثقته بالعقل أثناء استعراض أقوال المعتزلة والأشاعرة حول مسألة التحسين والتقبيح العقليين قائلا"واعلم أن هذه المذاهب ظهر في كل واحد منها من المدائح والقبائح ، فعند هذا قال أصحاب الخيرة والدهشة: إن هذه الدلائل ما بلغت في الوضوح والقوة إلى حيث تزيل الشك وتملأ لقوتها ونورها: العقل. بل كل واحد منها يتوجه فيه نوع غموض" [5] . وهكذا لما اعتمدوا على العقل زادت شكوكهم .

رجوع الغزالي عن التأويل

وهو من أبرز الراجعين عن منهج التأويل: ويمتاز بأنه كان يُكثر من نقد علم الكلام وأهله حتى وهو في أعمق مراحل التصوف . غير أنه أعلن قبيل موته بأيام معدودة استنكاره الشديد لطريق التأويل وعلم الكلام وأنه بدعة مذمومة ومخالفة للسلف. ووصف التأويل بصفته اللائقة به"التعطيل"وأفتى

(1) - لسان الميزان 426:4-429.

(2) - شرح السنوسية الكبرى ص 41.

(3) - فتح الباري 13/ 350 إتحاف السادة المتقين للزبيدي 1 / 174 . قال الحافظ أبن حجر"كان له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة، وكان يورد شبه الخصم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهاء" ( لسان الميزان 426:4-429) . وقد اعترف السبكي بتراجع الرازي عن منهج المتكلمين وذكر الحافظ أنه كتب وصية تدل على أنه قد حسن اعتقاده. ولكن النص كما عند السبكي مخالف لما ذكره الذهبي وابن كثير (قارن بين طبقات الشافعية 37:5 وبين البداية والنهاية 56:13 وسير أعلام النبلاء 501:21 فإن توبة الرازي وتراجعه عن أهل الكلام والمبتدعين إلى منهاج السلف لا يروق للسبكي كيف لا والسبكي يعتبر الرازي والغزالي من مجددي الإسلام(طبقات السبكي 1 / 202 ) .

(4) - طبقات الشافعية 5 / 33 .

(5) - المطالب العالية 4 / 426 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت