فهرس الكتاب
هل كان التأويل مذهب السلف
إدعاء الحبشي ثبوت التأويل عن مالك
قال الحبشي"قد ثبت التأويل عن مالك في حديث النزول أنه قال: نزول رحمة لا نزول نقلة" [1] .
وقوله هذا مردود من وجوه عديدة:
? أولًا: أن المعتمد عند عامة الأشاعرة أن السلف فوضوا آيات الصفات ولم يتأولوها وإنما كان التأويل بدعة الخلف . ولهذا فإن الأشاعرة المفوضة يعترضون على ادعاء الأشاعرة المؤولة أن السلف كانوا مؤولة للصفات .
? ثانيًا: أن الحبشي لم يذكر اتصال سند الرواية عن مالك وانما اكتفى بادعاء ثبوت ذلك عنه .
نعم روى ذلك عنه بعض الكذابين كحبيب كاتب مالك ، وجامع بن سوادة .
فأما حبيب فقد ثبت عليه أنه كان يكذب ويروي عن الأئمة الموضوعات (ميزان الاعتدال1/452 الكامل في الضعفاء 2/818 ) كما قال ابن عدي"ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات وأمره بيّن في الكذابين"ووصفه أبو داود بأنه من أكذب الناس وقال أحمد ليس بثقة .
وأما جامع بن سودة فقد ضعفه الدارقطني وأورد له الذهبي والحافظ روايتين باطلتين هو آفتهما (ميزان الاعتدال1/378 لسان الميزان2/93) .
فهذه الروايات عن مالك إما أنها تروى بسند فيه مجاهيل أو تروى عن حبيب الكذاب والذي اتفق أهل الجرح والتعديل على كذبه .
وهل شهادة مثل هؤلاء أولى مما شهد به الشافعي عن مالك وحلف عليه قائلًا"السنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما . . . أن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف يشاء ، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء" [2] .
? ثالثًا: أن الثابت عن مالك خلاف ذلك ، فقد ذكر البيهقي صفات الفوقية والنزول والإتيان ، ثم روى بسنده عن الوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا"أمرّوها كما جاءت"هكذا أثبته الصابوني عنهم عند حكايته عقيدة السلف وأصحاب الحديث ، وكذلك أثبته ابن عبد البر عن مالك: وهو أعلم بمذهب مالك من غيره [3] . وقد أثنى عليه الكوثري أمانة وحفظًا [4] .
-فالأشاعرة المؤولة يتمسكون بعبارة"نزول رحمة"والأشاعرة المفوضة يتمسكون بعبارة"أمروها كما جاءت"و"تفسيرها ظاهرها".
(1) - الدليل القويم 49.
(2) - عون المعبود 13 / 41 و 47 وساقه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة بإسناده المتصل إلى الشافعي 1 / 283.
(3) -الأسماء والصفات 453.
(4) - تأنيب الكوثري 175-178.