فهرس الكتاب
رابعًا: أنهم كانوا يقولون"بلا كيفية"تارة ويقولون"كيف يشاء"تارة أخرى كما قال الشافعي"وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء ، وينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء" [1] وكما قال ابن المبارك حين سئل عن حديث النزول - كيف ينزل ؟ أجاب"ينزل كيف يشاء" [2]
فقوله كيف يشاء إثباتٌ للكيفية بلا تشبيه لها بكيفيات المخلوقين .
خامسًا: أن من ينفي أن يكون الله فوق عرشه ويقول إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول"بلا كيف". إذ نفي الكيف عما ليس بثابت يعد لغوًا من القول ، وإنما يقولها الذين يُثبتون لله كيفيةً ليست كمثل كيفية المخلوقات . فالاستواء بلا كيف (على مفهومهم) مفضٍ إلى نفيٌ الاستواء ، ويناقض قول مالك"الاستواء معلوم".
سادسًا: أن قولهم"بلا كيف"إنما أرادوا به مخالفة المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه .
ولم يحدث أبدأ جدلٌ حول إثبات الكيفية أو نفيها . وإنما ثبت الخلاف حول التنزيه والتشبيه: هل نثبت كيفية مشتركة للصفة المشتركة بين الله وخلقه أم أن التواطؤ في الصفة لا يقتضي التشابه في الكيفية ؟ فالمشبهة قالوا بالأول والمنزهة قالوا بالثاني .
كما ذكر ابن حجر عن طائفة من السلف والتابعين أنهم كانوا لا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف [3] .
ويؤيده قول أهل السنة والحديث حسب رواية الأشعري عنهم"ولا يتأولونها"تفسير لقولهم"بلا كيف"وهو دليل على أنهم أرادوا بذلك عدم خوضهم في الكيف لا نفي الكيف أصلًا .
هل في إثبات الصفات تشبيهًا
أصل التأويل بحجة الهروب من التشبيه حجة جهمية ، قال أحمد"وتأول - جهم - القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه كان كافرًا وكان من المشبهة ، فأضلّ بكلامه بشرًا كثيرًا ، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية [4] ."
وقد نقل الدهلوي عن الحافظ في الفتح أن إجراء هذه الصفات كما هي ليس بتشبيه ، وإنما التشبيه أن يقال: سمع كسمع أو بصر كبصر ، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه [5] .
كراهية أهل البدع لأهل الحديث
ثم شنّع الدهلوي على الخائضين في علم الكلام قائلًا"واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث وسمّوهم مجسمه ومشبهة وهم المتسترون بالبلكفة وقد وضح لي وضوحًا بيّنًا أن استطالتهم هذه ليست بشيء وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية وخاطئون في طعنهم بأئمة الهدى" [6]
(1) - عون المعبود 13 / 41 و 47 وساقه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة بإسناده المتصل إلى الشافعي 1 / 283 .
(2) - رواه البيهقي في الأسماء والصفات 569 نسخة حيدر 2 / 198 - 199 .
(3) - فتح الباري 407:13.
(4) - الرد على الجهمية 104 - 105 .
(5) - فتح الباري 13 / 407 جامع الترمذي 3 / 50 .
(6) - حجة الله البالغة 64.