فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 1116

فالأشاعرة والماتريدية مُتهمون عند المعتزلة بنظير ما يتهمون به أهل السنة ، ونحن نراهم قد سلموا من وساوس التشبيه في مسألة الرؤية ولم يسلموا منها في باقي الصفات. مع أن كلا المسألتين ثابت بالنص من القرآن والسنة . وهذا ظلمٌ يشبه ظلم الأشاعرة القائلين بأن إثبات صفة الاستواء تجسيم لأن القعود من صفات الأجسام والجسم لا يكون إلا بمقعدة ونسبة المقعدة إلى الله كفر .

? ألا ترون أنكم تظلموننا وتلزموننا بما يلزمكم به المعتزلة وتحكمون علينا بمثل ما يحكمون به عليكم . وتتهموننا بالتجسيم لأننا أثبتنا ما أثبته الله لنفسه . بينما اتهمكم المعتزلة بالتشبيه والتجسيم والكفر لمجرد أنكم أثبتم لله صفة الرؤية ، فلماذا لا تقفون من باقي صفات الله موقفكم من صفة الرؤية فتجمعون بين الإثبات وبين التنزيه ؟ من هنا نؤكد أن المتابع لتأويلات من يزعمون تقديم العقل على النقل يجد أنهم لا يُعملون عقولهم بقدر ما يستنزفونها منافحة عن معتقدات المذهب ، ولو كانت تعمل بحرية لتنبهت إلى الوقوع في موافقة المعتزلة ، ولأشكل عليها صفة السميع الموصوف بها المخلوقون كما أشكل عليها صفة الاستواء والمجيء الموصوف بها المخلوقون . إنهم مبرمجون يجادلون لنصرة المذهب لا لنصرة العقل .

تارة يكونون معتزلة وتارة يتسننون !

لقد دافع الماتريدي عن موقفه في إثبات الصفات التي أولتها المعتزلة بحجة التشبيه والتجسيم واحتج عليهم بما نحتج نحن عليه فيما أول منها .

قال"ثم الوصف لله بأنه قادر عالم كريم جواد ، والتسمية بها حق من السمع والعقل [1] جميعًا . . . إلا أن قومًا وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ظنًا منهم أن في إثبات الاسم تشبيهًا بينه وبين كل مسمى ... ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها ، ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقص التوحيد" [2]

وهو عين ما نقوله له وللأشاعرة: الوصف بهذه الصفات حق من السمع إلا أن قومًا ( الأشاعرة والماتريدية ) ظنوا أن في إثبات الصفات تشبيهًا بينه وبين كل موصوف . والدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها ، ولو كان في الوصف بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا هم سبب نقص التوحيد !!!

المشبهة معطلة [3]

التشبيه تعطيل لقوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } لأن المشبهة أثبتوا إلهًا مماثلا للمخلوقات ، ونسوا أن الله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } غير أن التحذير المبالغ من التشبيه يعتبر من الغلو ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وصف ربه بصفات كثيرة ولكنه لم يحذر مرة واحدة من خطر الوقوع في التشبيه ، مما يؤكد أن الغلو في التنزيه من مصائد الشيطان ومزالقه يصطاد به الغلاة إلى شباك التعطيل .

فالمتكلمون يعتبرون أنفسهم أكثر تنزيهًا لله وأفضل إعمالا للعقل من السلف والصوفية يعتبرون أنفسهم أكثر عبادة من السلف .

والشيعة يعتبرون أنفسهم أكثر تعظيما لأهل البيت من السلف .

والخوارج يعتبرون أنفسهم أكثر تعظيمًا لحكم الله من السلف .

(1) - أنظر كيف يتأدب مع الشرع عند مناقشته للمعتزلة حيث يقدم الشرع على العقل بخلاف عادته عندما يقدم العقل على الشرع.

(2) - التوحيد للماتريدي 93-94.

(3) - زعم الحبشي أن المعطلة هم المعتزلة ولم يدخل معهم الأشاعرة والماتريدية مع أنهم موافقون للمعتزلة في كثير من تأويلاتهم. وسنطلعك على توافق تأويلات الأشاعرة والماتريدية مع المعتزلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت