فهرس الكتاب
ولهذا نص محمد أنور الكشميري أن الأشعري لما بالغ في التنزيه وشدد فيه لزمه نفي كثير من الصفات التي أثبتها القرآن والسنة حتى قارن التعطيل وأن القرآن لم يسلك هذه التنزيهات الكلامية الباطلة [1] .
التستر بعامة الناس
إن أهل الكلام والمنطق يستترون بالخوف على العوام من التشبيه وهم إنما يريدون بذلك تقرير مذهب التأويل وشيوعه ، وكأن في منهجهم صيانة للعوام من تشبيهات القرآن والسنة !
ولا وجود لهذه الإشكالات بين العوامّ لأن الفطرة تنفر من التشبيه وهو ما أكده ابن قتيبة [2] قائلا"لو تُرِكَ العوام على فِطَرهم فإنه لن يخطر عندهم التشبيه"ونص الغزالي على أن إيمان العَوام"أثبت من عقيدة علماء الكلام المهلهلة المتزعزعة التي تهزها رياح الشبهات مرة هكذا ومرة هكذا [3] "
وهم يستخدمون العوام ويحرضونهم ضد مثبتة الصفات ويستغلون نفورهم من التشبيه لتسليطهم على من يثبتها وإلزامه بالتشبيه . وما من شيء من الكفر ونواقض الإيمان إلا وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - منه ، غير أنه ( والأنبياء من قبل ) لم يولوا هذه القضية أي اهتمام .
كيف يستغل الزائغون سلامة فطرة العوام
وأهل الكلام والزيغ يستغلون نفور الطبائع البشرية من التشبيه فيستدرجونهم بذلك إلى التعطيل . ومن هنا يمكننا القول بأن كثرة التحذير من التشبيه ليس من أجل تحذير العوام من التشبيه بقدر ما هو تهيئتهم للوقوع في الغلو والانتهاء بهم إلى تعطيل ما وصف الله به نفسه . كما قيل: اتخذوا من التنزيه جُنَّة ليوقعوا الناس في التعطيل وغطاء يستترون به .
وكما قال علي للخوارج ( كلمة حق يراد بها باطل ) حين تذرعوا بآية { إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ } .
فكذلك نقول لنفاة الصفات (كلمة حق يراد بها باطل) حتى يتذرعون بآية { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ولا يكملوها { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
فالآيات إن جاءت على خلاف سنن علم الكلام والتصوف صارت متشابهة!.
إن التشبيه حبل الشيطان وكيده في أهل الغلو ، به دفعهم بوسوسة التحذير من التشبيه إلى الوقوع في التعطيل ، ولم يكن أحد يتصور أن يجعل الشيطان من نفي التشبيه فخًا ينصبه لأهل الغلو ليوقعهم في هوة التأويل والتعطيل ، فلم يرد منهم أن يشبهوا ولكن أراد أن يؤولوا الصفات وأن لا يسلّموا لله ما وصف به نفسه . فلم تدفع تأويلاتهم وسوسة وهم التجسيم ، بل أثبتتهما كلاهما وفتحت بابًا للطعن في هذا الدين . والذي يدفع وهم الوسوسة هو الاستعاذة بالله . وتذكر آيات التنزيه . فإن الإنسان قد يتعرض لوساوس من نوع آخر كما قال أحد الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم -"إني أحدث نفسي بالشيء لو أخر إلى السماء أحب إلى من أن أتكلم به . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذاك صريح الإيمان"أي أن إنكاره والخوف منه صريح الإيمان"وفي رواية"الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" [4] ."
التأويل تعطيل في الحقيقة
(1) - فيض الباري 4 / 473 .
(2) - قال البغدادي والذهبي وابن الجوزي"كان ثقة ديّنًا فاضلًا"تاريخ بغداد 0 1/ 170 سير الأعلام 13 / 297 ميزان الاعتدال 2 / 503 المنتظم 5 / 102 وفيات الأعيان 2 / 246 لسان الميزان 3 / 357 .
(3) - إحياء علوم الدين 1 / 94 والمنقذ من الضلال 17 للغزالي .
(4) - رواه أبو داود (5111) وأحمد 2 / 397 وغيرهما بسند صحيح .