فهرس الكتاب
وقد وصف السف أهل التأويل بأنهم"معطلة"لأنهم أثبتوا ألفاظ الصفات وحرفوا معانيها لمجرد احتمالات . فقد قال أبو حنيفة"ولا يقال يد الله بمعنى قدرته لأن هذا إبطال للصِّفة" [1] .
وهم قد حرفوا صفة العلو ، فجعلوا علو الله بمعنى المتعالي عن الشبيه . وجردوه سبحانه من علوه فوق سماواته ومنحوها للملائكة . وسلبوا الله صفة التكلم ومنحوها جبريل ، وجردوا الله من معاني الرحمة ، ففسروا الرحمة بإيصال الخير والغضب بمعنى العقوبة ، والمحبة بمعنى الإرادة .
ولهذا قال الشافعي"لا تشتغل بالكلام فإني اطلعت من أهل الكلام على التعطيل" (سير الأعلام 10 / 28 ) .
وهذا دليل على:
1)أنه يصح شرعا إطلاق وصف النفاة على متأولي الصفات. وهذا القول قاعدة عامة تنطبق على تأويل كل صفة من صفات الله ، ومن هنا سمى المؤولة بالمعطلة .
2)أن السلف كانوا يرون التأويل تعطيلا لا تنزيهًا . فان المعتزلة لم يصرحوا بجحود آيات الصفات ولم يقولوا نحن نكفر بالصفات التي في القرآن لكننا لا نأخذها على ظاهرها وإنما نؤولها. وإنما تأولوها لأنها ليست عندهم على ظاهرها ، فسماهم السلف معطلة .
3)أننا نسأل الأشاعرة: ما حكم من يؤول الصفات السمعة [2] عندكم ؟ إن كان حكمه عندكم التعطل فإن حكم من يؤول شيئًا من غير الصفات السبع عندنا التعطيل أيضًا .
التعطيل ليس دواء التشبيه
وقد ذهب البعض ممن خالف التأويل إلى أنه يجوز التأويل في صفات الله إذا استحكمت وساوس التشبيه وقويت في النفس فحينئذ يجوز التأويل . وهذا عليه اعتراضات:
ا) قد تبيت أن التأويل داء مفض إلى محذور وهو التعطيل فمتى كان التأويل دواء من داء التشبيه ؟ وقد عشنا تجربة طويلة مريرة أثبتت عقم هذه الطريقة وآثارها السلبية في هذه الأمة .
2)ماذا لو جاءنا من تحير من مسألة عذاب القبر ورأى وجوب تأويل عذاب القبر تنزيهًا لله ورسوله عن الكذب ودفعًا لوسوسة لأنه يسمع أحاديث عذاب القبر فإذا نبش القبور لم يجد أثرًا للعذاب ولم يسمع أنينًا [3] هل نبيح له تأويل عذاب القبر ؟
3)أنه لا ينبغي لمن ذم التأويل وعلم الكلام أن يعيد فتح باب التأويل الذي عطلوا به أسماء الله وصفاته . ولا يجوز أن يتخذ من الداء دواء وقد قال - صلى الله عليه وسلم -"ما جعل الله دواءكم فيما حرم عليكم"!!!.
تصرف من الحبشي
وقد ذكر الحبشي قول أبي حنيفة (ولا يقال يده قدرته) لكنه حذف قوله"لأن هذا إبطال للصفة"لأن هذه العبارة تفضح مذهب التأويل وتكشفه على أنه تعطيل في الحقيقة ، ويلزم من كلام أبي حنيفة أن يصير الحبشي معطلا ، ولهذا حذف العبارة من كلام الإمام .
وذكر الشهرستاني من معاني التعطيل"تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها"وهو مذهب الفلاسفة الإلهيين [4] وقال ابن الحوزي"من أضرِّ الأشياء على العوامِّ كلام المتأولين والنفاة للصفات [5] فوصفت مؤولي الصفات بأنهم ثقاة للصفات ."
(1) - الفقه الأكبر 33.
(2) - وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر و!الكلام وهي مما يوصف به البشر ومع ذلك لم يؤولوها.
(3) - شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي 733.
(4) - نهاية الاقدام 123 و 127.
(5) - صيد الخاطر ص 101.