فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 1116

لا يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه ، لقوله تعالى { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ } ولم يستثن من ذلك آيات الصفات .

فصفات الله أولى أن لا تكون من المتشابه الذي لا يجوز معرفة معناه ، بل هي من المحكم واضحة المعنى وإن كانت مجهولة الكيفية . ولوضوح معناها كان السلف يقولون"تفسيرها ظاهرها". وكذلك قول مالك"الاستواء معلوم والكيف مجهول". ولو كان من المتشابه الذي لا يمكن معرفته لقال"الاستواء مجهول والكيف مجهول". وإنما الاشتباه الجائز القول به هو الاشتباه النسبي ، فقد يشتبه عليك ما لا يكون مشتبهًا على غيرك . يدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أن الحلال بين وان الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس"."

وقد ثبت عن السلف أنهم كانوا يفسرون آيات الصفات ، كتفسير مجاهد وأبي العالية للاستواء بالعلو والارتفاع .

قال الترمذي"تأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن معنى اليد القوة" [1] فهذا نص صريح على أن أهل العلم كانوا يفسرون آيات وأحاديث الصفات على خلاف تأويلات الجهمية وعلى أن الأشاعرة يحذون حذو الجهمية في تفسيرهم اليد بالقوة وغير ذلك .

وهذا بخلاف المتشابه الذين لا يجوز تفسيره . ولو كانت الصفات من المتشابه لما فسرها السلف الصالح ، فمجرد ثبوت التفسير عنهم يبطل مذهب التفويض ومذهب المتشابه .

بل لم يثبت عن واحد من سلف الأمة أنه قال إن صفات الله من المتشابه بل إن ردودهم على تأويلات الجهمية الباطلة وإثبات المعاني الحقة دليل ضد ذلك .

وقد فسر الأحباش المحكم بالذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا والمتشابه بالذي لم تتضح دلالته أو يحتمل أوجهًا عديدة من حيث اللغة واحتيج إلى ( النظر ) لحمله على الوجه المطابق كقوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [2] .

وهكذا جعلوا عقولهم هي الفارق بين المتشابه والمحكم ، فما وافق عقولهم جعلوه محكمًا وما خالفها جعلوه متشابهًا:

فآيات القدر ونصوص القبر عند المعتزلة من المتشابه . ليس عندهم رد المتشابه إلى المحكم ، بل إلى العقل: وقد يردون ما تشابه إلى ما هو أيضًا من المتشابه عندهم: فصفة الضحك عندهم من المتشابه فيردونها إلى صفة الرضا والرحمة ، وكلا الصفتين عندهم من المتشابه .

1)إن الأشاعرة مختلفون فيما بينهم هل آيات الصفات من المتشابه أم لا !

قال أبو منصور البغدادي"واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال إن آية الاستواء من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله" [3] فهلا اتفقتم فيما بينكم على نوع المتشابه وإلا زدتم حيرة الحيارى حيرة .

2)ويقال لهم: هل كل الصفات من المتشابه أم بعضها دون بعض؟ بالطبع لا ، فالأشاعرة يثبتون سبع صفات هي محكمة عندهم وغيرها متشابه ، وقد أخذوها على ظاهرها ولم تُحدث في عقولهم تشبيهًا مع أنها مما يرصف به المخلوق كالسمع والبصر والكلام . . .

فبأي دليل أو ضابط حكمتم بأن الصفات السبعة محكمة لا تشابه فيها وأما غيرها فهو متشابه ؟ فإذا طولبوا بالفرق لم يجدوا جوابًا مقنعًا ...

3)ونقول لهم: إذا كان ما تشابه عليكم أحلتموه إلى اللغة فحينئذ تقعون فيما فررتم منه ، فإن الاستواء في اللغة بمعنى الجلوس . لكننا لا نأخذ بها بعد أن ثبت تفسيرها في البخاري عن مجاهد وأبي العالية بالارتفاع والعلو ، فالتمسك باللغة مع تناسي ما قاله القرآن . والرسول وفسره السلف ضلال حقيقي.

(1) - سنن الترمذي 3 / 42 تعليقًا على حديث رقم ( 662 )

(2) - منار الهدى 6: 25 .

(3) - أصول الدين 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت