فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 1116

إلا أنه عاد فقال"وقد يُؤوَّل كل ذلك لأجل صرف العامة عن الجسمية" [1] وهكذا يسيء بهم الظن ويحكم عليهم بالكفر من غير أن يتبين منهم إن كانوا ينوون الجسمية ، بينما تولى الدفاع عن الحكام بالقوانين الوضعية بأنهم- مع تحكيمهم لغير شرع الله- لا يعتقدون أن القوانين الوضعية أفضل من شرع الله . فانظر كيف يزكي نيات العلمانيين مع أنهم لم يعترفوا له بذلك التفصيل ، بينما يطعن في نيات من يثبتون صفات الله مع تصريحهم مرارًا وتكرارًا بأنهم يثبتون الصفات من غير تشبيه .

حكم تأويل الصفات السبع عنده

وبالرغم من قوله (وقد يؤوّل كل ذلك ... ) إلا أنه لن يجرؤ على مخالفة الأشاعرة بتأويل الصفات السبع ( كالإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ) لأنها لا توهم عندهم تشبيهًا ولأن العقل دل عليها . بخلاف الصفات الأخرى (كالغضب والسخط والرضى) الموهمة عندهم للتشبيه المخالفة للعقل والتي أدرجوها ضمن هذه الصفات السبع وجعلوها من معانيها .

وهذا الإدراج مزلق عظيم فإن الله أنزل هذه الصفات في القرآن لتكون صفات ذات معان لا لتكون معان لصفات أخرى . وهم لم يكتفوا بتحويل صفات الله إلى معان لصفات أخرى وإنما عمدوا إلى وصف الله بما لم يصف به نفسه . كصفات الاستيلاء ومخالفة الحوادث .

ثم إن قولهم إن صفات (الغضب والسخط واليد والعين والوجه والإتيان) توهم الجسمية قول باطل . فمن المعلوم أن الحواس البشرية تخطئ وتُخدَع وتتوهم . والله خالق هذه الحواس ويعلم منها ذلك { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } فلم يتركها أسيرة الوهم والوسوسة وإنما جعل لها من آيات التنزيه ما ينسخ ما يلقيه الشيطان .

شروط التأويل عنده

لقد جعل الحبشي للتأويل القيود التالية:

أولًا: أن يكون النص المؤول ثبت إسناده بطريق الآحاد [2] وهذا القيد متعارض مع تأويله لآيات الصفات كآية الاستواء والعلو فضلًا عن الأحاديث المتواترة . فان كان التأويل جائزًا في الآحاد دون المتواتر فلماذا يتأولون آيات القرآن والأحاديث المتواترة ؟

ثانيًا: أن لا يكون التأويل عن طريق الاجتهاد فإنه"لا مجال للاجتهاد في أصول العقيدة"على حد قوله ولقول أبي حنيفة أنه"لا يجوز العمل بالرأي في صفات الله [3] ."

-وهذا القيد معارض بتقديمه للأدلة العقلية على الشرعية والذي به يميزون بين ما يجوز تأويله وما يمتنع ، بناء على قاعدة الرازي الكلية (الاعتزالية المصدر) والتي حكم فيها لصالح العقل على حساب الشرع وأعطاه ميزة قدسية [4] .

(1) - الدليل القويم 47.

(2) - الدليل القويم 49.

(3) - الدليل القويم 176 و 161 ولكن هل التزم الحبشي بقول أبي حنيفة ؟ إن تأويله للصفات هو إعمال للرأي الذي نهى عنه أبو حنيفة .

(4) - أساس التقديس 220 - 221 وانظر قانون التأويل 16 للغزالي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت