فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 1116

-وهو بهذه القاعدة التي تجعل من العقل سيدًا والشرع عبدًا له: يجيز هو وأمثاله عقلًا ما لا يجوز شرعًا . ولنضرب على ذلك مثالًا: يزعم الحبشي أنه يجوز عقلًا أن يعذب الله المطيع الذي لم يعص لكن ذلك غير جائز شرعًا [1] وهذه معدودة من غرائب هذه الفرقة لأنهم يصرحون بجواز أن يعذب الله المطيعين: الأنبياء والأولياء وأن يُدخل الكفار الجنة لأنه متصرف في ملكه ، وهو لا يُسأل عما يفعل .

-ومع أنه يتمثّل بقول على رضى الله عنه"يا أيها الناس اتهموا آراءكم وأحسنوا الظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يُروى لكم عنه" [2] فإنه لم يتهم رأيه وإنما اتهم نصوص الصفات وأساء الظن بها لأنها تتضمن الاستواء والنزول واليد والقبضة والرجل والإصبع وغيره . وقدّم عليها الرأي كقوله في كل مسألة من مسائل الاعتقاد بأنها"جائزة عقلا وسمعًا" [3] .

ولو كان صادقًا في الاقتداء بعلي لقدّم الأدلة السمعية (الشرعية) على العقلية ، ولسلّم للصفات دون تأويلها لأن التأويل يتعارض مع التسليم كما نص عليه الطحاوي في عقيدته حين قال"لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ، فإنه ما سَلِمَ في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -"... وأن التأويل المعتبر"ترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين" [4] فالتأويل ليس طريقة أهل التسليم وإنما هو طريقة أهل التعطيل .

اعترافه بأن التأويل غير مؤكد

ومع كل القيود التي اشترطها فإنه معترف بأن التأويل مفيد للظن لا القطع ، ويحتمل أن يكون مرادًا لله وأن لا يكون كذلك [5] فبئس البديل هو.

من هنا نعلم أن أهل التأويل الباطل ليسوا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله . فإنهم جاؤا إما بتأويلات مخالفة لتأويلات الراسخين في العلم موافقة لتأويلات من سبقهم من الجهمية والمعتزلة ، وإما بتأويلات لم يسبقهم الراسخون في العلم إليها ، مع اعترافهم بأن تأويلاتهم مظنونة .

أما الراسخون في العلم فإن التأويل الذي يعلمونه ليس ظنيا وإنما يقينيًا لأنهم لا يقولون على الله ما لا يعلمون . ولهذا قال الحافظ ابن حجر"وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله" [6]

وقد سألتهم"إذا كانت آيات الله لا يجوز أخذُها على ظاهرها فكيف أعرفُ تأويلها حينئذ ؟ فقالوا: اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا - تعلمون . يقصدون شيخهم ، لكن شيخهم يخبرنا بأن ما تأوله لنا غير مقطوع به ، وإنما هو ظني فكيف نقبل تأويله فضلًا عن أن نعتقد أنه من أهل الذكر الراسخين في العلم ؟ فان العلماء الراسخين أشد الناس خشية كما قال تعالى { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ومن خشيتهم أنهم لا يقولون على الله وصفاته بالظن ."

الأصل في الصفات التوقيف

(1) - الدليل القويم 14 .

(2) - إظهار العقيدة السنية 185.

(3) - أنظر إظهار العقيدة السنية 118 بغية الطالب 9 الدليل القويم 68 .

(4) - العقيدة الطحاوية بذيل كتاب إظهار العقيدة السنية 252-253.

(5) - التوحيد للماتريدي 74 الدليل القويم 47.

(6) - فتح الباري 13 / 353 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت