فهرس الكتاب
والجاحظ والزمخشري ، وحملهم هذا على التوسع في تأويل النصوص ، فلماذا يميل الأشاعرة المتأخرون إليهم دون أبي الحسن ؟
15)أن المجاز لا يجوز عندكم بدون قرينة. وربما خفيت فيقع الالتباس على المخاطب فلا يفهم مراد الله وهذا يخالف حكمة الخطاب.
16)أن المجاز غير مقطوع به . بل هو ظني ، حاله في ذلك حال التأويل لا نص عليه وإنما هو مجرد ظن ، والشريعة ذمت اتباع الظن ، والظن من الشيطان ، فكيف يمكن إزالة وسوسة الشيطان بالظن الذي هو من وسوسة الشيطان ؟!
17)أن المجاز هو الذي فتح الباب للفرق الزائغة وأصحاب المقاصد السيئة لهدم الإسلام .
لقد كان المجاز سلَّمُ الباطنية ، به نسفوا الشريعة وعطلوا النصوص . فصارت الصلاة عندهم موالاة الإمام ، والحج القصد إلى مرقد الإمام ، والصيام امساكُ سرِّ الإمام ، والبقرة في قوله { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } هي عائشة و { الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } هما أبو بكر وعمر [1] .
وقد زعم الغزالى أن الفرق بين حرمة تأويلات الباطنية وإباحة تأويلات الأشاعرة أن للأشاعرة معيارًا في التأويل وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك" [2] ولكن أنى يصح معيار الأشاعرة وقد اعترفوا مرارًا بأن تأويلاتهم محتملة ليس مقطوعًا بها أن تكون مرادة لله. وقد تضاربت تأويلاتهم فمنهم من يرى اليد قدرة ومنهم من يراها نعمة ومنهم من يرى من العقل عدم إعمال العقل واللجوء إلى التفويض ؟!!"
18)أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي نسبة العجز إلى الله ، ولا يمكن أن نقول: إن الله لم يجد لفظًا أفضل من لفظ { اسْتَوَى } فجاء المتكلمون وأتوا بأفضل منه وهو لفظ ( استولى ) .
19)أنه لو فتح باب التأويل والمجاز لارتفعت الثقة بالنصوص ، ولم يعد يثبت شيء من العبارات ، ولا يمكن لأي فرد أن يثق بكلام الآخرين لاحتماله التأويل ، ولا يمكن لأي قاض حينئذ أن يحكم في قضية ما. وبلغ بقوم تأويل عبارات الكفر لمشايخهم حتى قالوا: قول الواصلين أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني وما في الجبة غير الله عبارات لها تأويل . وبهذا الاعتذار لا يعود على الأرض كفر .
قال ابن حجر الهيتمي"المدار في الحكم بالكفر على الظواهر لا على المقاصد والنيات ، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله". وقد قال العلماء: لو نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كفرًا ظاهرًا وباطنًا" [3] ."
20)أننا لو قلنا بالمجاز لقلنا إنه لا يجوز بغير قرينة شرعية ، عندنا فيها من الله برهان ، فقوله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ [4] الذُّلِّ } وقوله { وَاسْأَلِ [5] الْقَرْيَةَ} :
رجعنا إلى هذه الموصوفات وعاينَّاها ، فعرفنا بعد المعاينة أن خفض الجناح ليس بخفض يده وإنما بخفض نفسه وتواضعها ، وأن القرية جماد لا يمكن تكليمها .
ولكن هل من طريقة يمكن بها رؤية الله والإحاطة به علمًا حتى نقرر إن كانت بعض صفاته تُحمَل على الحقيقة أو المجاز ؟ هذا غير ممكن ، لأن الله غيب عنا ولا نعلم عنه شيئًا إلا من خلال ما وصف به نفسه ، لذا كان إعمال المجاز في الله وصفاته حرامًا لأنه مبني على الاحتمال والظن والرحم بالغيب {حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [النمل 84 ] .
لذا كان التوقف على ما استعملته العرب في مجاري كلامها هو التحقيق في المسألة .
(1) - الفرق بين الفرق 271 - 278 .
(2) - الفرق بين الفرق 271 - 278
(3) - أنظر الزواجر 1 / 32 والإعلام بقواطع الإسلام 19 .
(4) - الجناح في اللغة هي اليد .
(5) - ذكر ابن تيميه أن القرية لا تطلق إلا على الآهلة بمن فيها ، فأما التي لا سكان لها فلا تسمى قرية في اللغة ولذلك قال تعالى { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا } ولم يقل فتلك قراهم .