فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 1116

التأويل والتفويض

التفويض هو إثبات لفظ الصفة مفرغة من المعنى وبتعبير آخر: قبول ألفاظ الصفات مع إخلائها من معانيها الصحيحة .

أراد به قسم من الأشاعرة الهروب من مصيدة تحريف معنى . الصفة الذي يسميه أشاعرة آخرون (التأويل) ولكنهم سقطوا في مصيدة منع معنى الصفة ، ظن المفوض أنه نجا بذلك ممن يجعلون لألفاظ الصفات معان باطلة ، وإنما انتقل من المعنى الباطل إلى لا معنى .

فإنه: إذا كان التأويل: هو إيجاد المعاني المستبعدة لنصوص الصفات . فان التفويض هو إبعاد المعاني الحقة لنصوص الصفات .

والتفويض فرع مذهب المعتزلة الذين كانوا يعتبرون أسماء الله أعلامًا محضة . بينما يعتبر المفوض الصفات أعلامًا محضة . والنتيجة لكليهما التعطيل ، وحينئذ لا فرق بين المعتزلة الذين جعلوا أسماء الله أعلامًا محضة وبين الأشاعرة المفوضة الذين جعلوا صفات الله أعلامًا محضة . فإنه لو كانت أسماء الله وصفاته أعلامًا محضة لم تكن حسنى .

والمفوضة ضاقوا ذرعًا بالتحريف (التأويل) ولم يحتملوا ما أثمره في قلوبهم من قسوة وظلمة ولكنهم لم يحلوا الإشكال الوارد في النصوص التي يسمونها"نصوص التشبيه"فكان الحل أن يُبقوا هذا الإشكال في صدورهم ولا يتحدثوا به . فمرض التشبيه باق ولكن اكتمه في صدرك ولا تحدث به واشك مصيبتك إلى الله !

لقد سُمِح بالتفويض في المذهب الأشعري لسببين:

السبب الأول: أن كثيرًا من أئمة الأشاعرة كالغزالي والجويني والسمرقندي تركوا التأويل وكانوا قبل تركه يُكرهون فِطَرَهُم على قبول المحال والمتناقض ويرغمونها على ما تأباه وتنفر منه. كقولهم إن الله قهر العرش وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للجارية أين الله أي ما اعتقادك في عظمة الله فقالت في السماء أي عظيم القدر جدًا . . . الخ . ووجدوا من الصعوبة الجمع بين طلب التقوى والصدق مع الله ، والقول على الله بهذه الاحتمالات في العقيدة التي تصيب القلب بالقسوة وقلة الورع . ولو لم يكن التأويل اجتهادًا ورأيًا لما سمح بالتفويض . ولوجب الاقتصار على التأويل .

السبب الثاني: أن التفويض ينتهي إلى ما انتهى إليه التأويل ، فهما يسيران في طريقين مختلفين ثم يلتقيان معًا في النهاية .

فإن المفوض يصرف اللفظ عن المعنى الراجح: ولكن لا إلى معنى ، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى معنى مرجوح ، فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر . ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملا ، والثاني يمنع عنه المعنى . ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه .

ولهذا قيل إن التأويل والتفويض وجهان لعملة واحدة ، فإنهما يلتقيان عند تعطيل معنى الصفة المرادة لله ، ومن هنا ندرك سر الإذن به من قِبَل الأشاعرة والماتريدية . فنتائج التفويض مثل نتاج التأويل من حيث الجناية على النصوص وتعطيل معانيها .

لقد نظر جماعة من الأشاعرة إلى زجر السلف عن تأويلات الجهمية والمعتزلة ، وعرفوا ما يُحدث التفويض عند أبناء المذهب من النفور من التأويل وعدم اطمئنان النفوس إليه ، وخافوا من الارتداد عن المذهب فأوجدوا لهم بديلًا أسموه التفويض وزعموا أن السلف كانوا يمنعون حتى مجرد تفسير آيات الصفات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت