فهرس الكتاب
وكل من هاتين الطائفتين تمتاز بصفة ذكرها الله في أهل الكتاب: فالمؤولة { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } .
والمفوضة { لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } أي إلا تلاوة للمعنى ، لا يفهمونه ولا يتدبرونه . مع أن ثمرة التلاوة يجب أن تكون التفكر وتدبر المعاني.
وقد أراد المفوض التخلص من أذى التأويل - أعني التحريف - الذي يمرض القلوب فوقع في مرض آخر هو التفويض الذي حقيقته تجاهل معاني أسماء الله وصفاته والادعاء بأن الله أنزلها ولم يرد منا معرفة معناها فجهلها رسول الله وأصحابه وكان - صلى الله عليه وسلم - يحفظ أسماء مجردة عن المعاني .
اللجوء إلى مرض التفويض هربًا من مرض التأويل
التفويض مذهب ظاهره التقوى والكف ، وباطنه سوء الظن بالنصوص وتجاهل ما أراد الله من عباده أن يعلموه ، وثبت عن السلف تفسيره ، فقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس أن يفقهه الله في الدين ، ويعلمه التأويل ، أي التفسير .
وقد قال ابن عباس"كل القرآن أعلم إلا أربع: حنان وأواه وغسلين والرقيم". ثم علم ذلك بعد كما حكاه ابن قتيبة .
وهذا دليل على أن السلف كانوا إذا جهلوا شيئًا من القرآن صرحوا بذلك . وهم لم يصرحوا بنفي العلم بمعاني صفات الله تعالى . وإذا امتنع أحدهم عن تفسير لفظ ما فلا يدل على أن ذلك منهج لهم .
الدليل على أن السلف فسروا آيات الصفات
ونضرب مثالًا على أن السلف ما تجاهلوا معاني الصفات: فقد قال مجاهد { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } أي علا على العرش . وقال أبو العالية استوى أي ارتفع [1] .
وعن ابن عباس في قوله تعالى { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } "أي بعين الله تبارك وتعالى". وفي رواية أنه أشار بيده إلى عينه [2] .
وقد قال مجاهد أخذت التفسير عن ابن عباس من أوله إلى خاتمته أقفه آيةً آيةً . فلم يستثن من ذلك آيات الصفات . وقد ثبت تفسير مجاهد لصفةٍ كثر الجدل حولها وهي صفة الاستواء .
وهذا يؤكد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه كما أمره الله بذلك فقال { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } .
وأما هؤلاء فينتهون إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بإبلاغ الأمة الألفاظ وترك لهم هذا الباب دون بيان .
وهذا من المحال:
? إذ كيف يكون القرآن السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه أن يترك باب الإيمان بصفات الله مشتبها متلبسا بالباطل مما يضطر البعض أن يصف آياته بـ"آيات التشبيه"أو"الآيات التي ظاهرها كفر". ولم يميز ما يجب وما لا يجوزعليه وما يستحيل؟
? وكيف يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الباب ملتبسًا مشتبهًا وهو الذي أشهد أمته على أنه بلغ وبين
(1) 1 )- رواه البخاري في التوحيد باب وكان عرشه على الماء.
(2) 2 )- رواه البيهقي في الأسماء والصفات 396 واللالكائى في شرح أصول السنة 3 / 411 .