فهرس الكتاب
وزعم الغزالي أن أكثر أحاديث التشبيه غير صحيحة ، وهذا ما دعا الحافظ ابن حجر إلى التصريح بعدم خبرتهما وعنايتهما بكتب الحديث المشهورة فضلا عن غيرها [1] واعترف الغزالي بأن بضاعته في الحديث مزجاة كما في (قانون التأويل 16) . وقد اعترف الشيخ محمد بن درويش الحوت في ( أسنى المطالب ص 572 ) بأنه لا يعتمد على الغزالي في الحديث لذكره في كتابه الإحياء جملة من الأحاديث الموضوعة .
? وأما ابن فورك فهو أبعد الناس عن فن الحديث . قال الحافظ ابن حجر"وبالغ ابن فورك فجزم بأن لفظ (الرجل) غير ثابتة عند أهل النقل ، وهو مردود لثبوتها في الصحيحين". وكذلك قال الزبيدي"زعم ابن فورك أن لفظة"حتى يضع الله رجله"غير ثابتة [2] "
? وقال أبو منصور البغدادي"فإن روى الراوي ما يحيله العقل ، ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا فخبره مردود . . . وإن كان ما رواه الثقة يروع ظاهره في العقول ولكنه يحتمل تأويلا يوافق قضايا العقول ، قبلنا روايته وتأولناه على موافقة العقول". وضرب لذلك مثلا بحديث"إن الله يضع قدمه في النار" [3] فضابط خبر الرواية قبولًا وردًا هو العقل .
وهذا التحريم المخالف لأهل السنة يعتبره الحبشي احتياطًا فيقول"وقد احتاط العلماء في الاحتجاج بالأخبار الواردة في الصفات فاشترط الأشاعرة القطعي الثبوت وهو المتواتر" [4]
ومن حقه أن يقول"اشترطت الاشاعرة"ولم يقل اشترط الشافعي اشترط أحمد لأن الأشاعرة لهم شروط لا سلف لهم فيها ، وهم يعلمون أن الشافعي كان أبرز من انتصر لخبر الواحد كما في كتابه"الرسالة"الذي تضمن ما يقارب المائة صفحة كلها في تثبيت خبر الواحد وكتابه"اختلاف الحديث"الذي أثبت فيه حجية خبر الواحد .
وقد كذبه الحافظ ابن عبد البر فحكى مذهب أهل السنة أنهم"يدينون بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويوالون ويعادون عليها" [5]
فمن هم العلماء الذين احتاطوا ؟ إنهم المعتزلة والجهمية ، كان أول المحتاطين منهم معاصرًا للإمام ا!شافعي رضي الله عنه ، واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن عليَّة أحد كبار الجهمية ، قال عنه الذهبي"جهمي هالك" [6] ناظره الشافعي وأبطل حجته في إنكار خبر الواحد [7] ولما بلغه إصرار إبراهيم بن عليّة على إنكار خبر الواحد قال"إن ابن علِيَّة ضالّ ، قد جلس بباب الضَّوالِّ يضِلّ الناسَ" [8] .
ثم ما الدليل على رد خبر الواحد في العقائد من الكتاب أو السنة أو كلام سلف الأمة ؟
قد يقولون لك: قال الأسنوي . قال الآمدي . قال السرخسي .
أما أن يقولوا قال الله قال رسوله قال الشافعي قال أحمد قال مالك: فلا ولن يستطيعوا أن يحتجوا بواحد من هؤلاء ، لأنهم لم يشترطوا هذا الشرط ، بل قبول خبر الواحد الثقة العدل المتصل السند هو الثابت عنهم .
لقد اشتد نكير علماء هذه الأمة - على رأسهم الشافعي - على من أنكر خبر الواحد ، وأكد الشافعي أن أهل السنة قد تلقوا خبر الواحد العدل بالقبول [9] ولم يقل أحد من الأئمة لا الشافعي ولا أبو حنيفة ولا أحمد ولا مالك أن خبر الواحد يُقبل في الأحكام ويُردُّ في العقائد مع أن الشافعي أول وأبرز واضعي علم الأصول .
ونجد عند البخاري كتابا كاملا في صحيحه اسمه (كتاب أخبار الآحاد) يثبت فيه حجية خبر الواحد قد وقف الحافظ ابن حجر في الفتح في هذا الباب موقف الشافعي نفسه [10] .
رد خبر الواحد في العقائد
بدعة اعتزالية اقتبسها الأشاعرة
? وبهذا يتبين أنه لم يكن العلماء"المحتاطون"إلا ثلة من نفاة الصفات الذين تذرعوا بالاحتياط المزعوم ليتوصلوا به إلى نفي الصفات التي وصف بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه . فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن المعتزلة أنكروا صحة الأحاديث الواردة في الصفات كالنزول وغيره [11] .
وإننا لا نزال نجد أصل الاعتزال ممزوجًا في ثنايا الفكر الأشعري الماتريدي . وأبرز هؤلاء المحتاطين الشيعة كما قال الجويني"وذهب طوائف من الروافض إلى أن خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل" [12]
? ولما كتب المعتزلة في أصول الفقه وانتشر إنكار خبر الواحد في كتبهم كقول أبي الحسين البصري المعتزلي"إن أخبار الآحاد لا يجوز قبولها في توحيد الله وعدله" [13] : وافقهم عليه الأشعرية مع تعديل متناقض حيث حرّموا الأخذ بخبر الواحد في العقائد وأحلّوه في الأحكام ومسائل الحلال والحرام .
-وهم فيما بينهم يتناقضون فالجهمية والمعتزلة نفوا حجية أخبار الآحاد مطلقًا ، ولا اعتبار لها عندهم لا في العقائد ولا في الأحكام .
? وجاء الأشاعرة والماتريدية فحرَّموا الأخذ بخبر الواحد في العقائد وأجازوه في الأحكام . والماتريدية أجازوا قسم المشهور من خبر الواحد في العقائد فقط [14] وهذا غير مقبول منهم حتى يجيزوا خبر الواحد الثقة المستوفي لشروط الصحة حسبما نادى به الشافعي وأئمة أهل
(1) أنظر التلخيص الحبير 1 / 256 و 2 / 19 و 50 و 275 وانظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي 177 ط: مكتبة الجندي تحقيق محمد أبو العلا.
(2) فتح الباري 8 / 596 إتحاف السادة المتقين 8/341 .
(3) أصول الدين 23 .
(4) الدليل القويم 48 وانظر التوحيد للماتريدي 8 والتحرير 334.
(5) التمهيد 1/8 .
(6) ميزان الاعتدال 1 / 20 .
(7) أنظر مناقب الشافعي للبيهقي تحقيق أحمد صقر 1 / 211 و 2 / 210 تبيين كذب المفترى340-341.
(8) سير أعلام النبلاء 10 / 24 ومناقب الشافعي للبيهقي .
(9) الرسالة للشافعي 453 و 457 تحقيق شاكر.
(10) فتح الباري 2: 6 و 68 و 13: 355 .
(11) فتح الباري 3 / 30 .
(12) البرهان 1 / 388 .
(13) المعتمد 2 / 578 تحقيق محمد حميد الله .
(14) إظهار العقيدة السنية 222 .