فهرس الكتاب
السنة [1] وليس بحسب أهواء أهل الكلام الذين تارة يحرمونه مطلقًا وتارة يحلونه وتارة يفضلون الإجماع عليه ويجعلونه أقوى منه كما هو حال الحبشي [2] .
صفات منكري خبر الواحد
وليس من طعن في خبر الواحد من أتقياء هذه الأمة . إذ لو كان عندهم ورع وحيطة لتورعوا عن التوسع في التأويل الذي اعترفوا جميعهم أنه يُحتمل أن يكون مرادًا لله ولا يمكن القطع به ، ولوافقوا سلف الأمة وأئمتها في حجية خبر الواحد .
فإنه يعهد عن سلف الأمة ومحدثيها أنهم نهوا عن حديث صحيح بحجة أنه ظني وإن كان صحيحًا ولا عهدناهم قسموا الأحاديث إلى صحيحة ظنية وصحيحة قطعية ، وإن كان الصحيح على مراتب بعضه أقوى من بعض .
-وإنما اتفقت الفرق الضالة على الطعن فيه كالفلاسفة والجهمية والمعتزلة التي وجدت أن أكثر أحاديث الصفات من الآحاد فأرادت أن تُوجِد لنفسها مبررًا تردُّ به هذه الأحاديث . فابتدعت القول بأن أحاديث الآحاد مردودة ولا يستدل بها على الإطلاق .
قال عبد القاهر البغدادي"وكان الخياطي منكر الحجة في أخبار الآحاد ، وما أراد بإنكاره إلا إنكار أكثر أحكام الشريعة فإن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار من أخبار الآحاد" [3] .
وقد سلك الأشاعرة ما سلكه الخياطي والمعتزلة قبلهم .
-فالأشاعرة والمعتزلة ليسوا من المتميزين بالاشتغال بطلب الحديث وحفظه والبراعة في حفظ الرجال ونقدهم ، بل هم شلة من المتكلمين الذين هم بمعزل عن هذا الفن . وإنما كان موقف المشتغلين بفن الحديث كأحمد والشافعي وغيرهم: إثبات خبر الواحد وتضليل من طعن فيه .
-ولهذا يعجب المتأمل في حال هؤلاء الطاعنين في خبر الواحد ومصنفاتهم حين يراهم يعتمدون كثيرًا من الروايات الواهية والضعيفة ولا يحققون درجتها ، فلم يفوا بما التزموه وألزموا الناس به .
ثم إن قولهم"حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة"هو في ذاته عقيدة ، فإنهم اشترطوا أن تكون العقيدة مبنية على النص القاطع الصريح وأنه لا مجال للرأي في العقائد: فأين الدليل الصريح المتواتر من كلام الله أو رسوله أو السلف على هذه العقيدة ؟
هل هذا إلا تشريع بما لم يأذن به الله ، وافتراء على الله بتحريم ما لم يحرمه على عباده ؟ قال تعالى { شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } [الشورى21] وقال { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } [النحل 116] .
? أن أي مسألة في الأحكام لابد أن يصحبها اعتقاد بتحريمها أو تحليلها ، فمثلا إن من حرم على نفسه نكاح المرأة على عمتها أو خالتها فإنه يحرم ذلك اعتقادًا منه أن الله قد حرم عليه ذلك .
? أنهم جعلوا خبر الواحد مظنونًا وقالوا"لا يجوز الحجية الظنية في المسألة القطعية. مع تجويزهم أن يكون في نفس الأمر كذبًا أو خطأ ، ثم يوجبون العمل به في نفس الوقت مع ما يخالج نفوسهم من احتمال كونه باطلا. ولا شك أن هذا التوقف يدفع الثقة بأصول الدين وفروعه. ويفتح بابًا للطعن في مصادر هذه الأمة . فيتسلط الأعداء على المسلمين بتمكين من المسلمين أنفسهم من حيث لا يشعرون ، ويتهمونهم بإيجاب العمل بالخرص والظن . كأن"
(1) إظهار العقيدة السنية 222 .
(2) النهج السوي في الرد على سيد قطب وتابِعه فيصل المولوي 49.
(3) الفرق بين الفرق 165.