فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 1116

قال الجويني"ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد فذهب إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به ، وذهب الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به ، وهو من تجويزات العقل ."

"افترق هؤلاء من وجه آخر: فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به ، وقال آخرون لم تقم دلالة قاطعة على العمل به ، فتعين الوقف" [1]

? أن أهل الحديث كأحمد ومالك والشافعي أولى بالحكم على خبر الواحد من أهل الكلام والجدل الذين هم أبعد الناس عن فن الحديث ، ورأي أولئك في خبر الواحد هو الأولى بالأخذ وليس رأي أتباع المعتزلة والجهمية ، أو أعدائهما ممن يلتزمون منهجهما في الكلام والمنطق .

أن المعتزلة نفوا أحاديث الآحاد بإطلاق . وكان الرد عليهم من الشافعي بإطلاق . من غير أن يأتي بأي تفريق بين الأخذ به في الأحكام ومنعه في العقائد فمن أين أتى الأشاعرة بهذا التفريق ؟ قد يستشهدون بالكرخي والسرخسي والآمدي والأسنوي بعد أن عمّت البلوى بهذه الفتوى فتلقفها من تلقفها: أما أن يأتوا بالدليل على ذلك من كلام سلف الأمة وأئمتها فلم ولن يأتوا بشيء من ذلك.

? أنهم لم ينقذوا الأمة من مرض التجهم والفلسفة والاعتزال ، وإنما قاموا فقط بتعديل طفيف على انحراف المعتزلة من غير أن يقضوا عليه وشككوا في غالب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

? أنهم قد فتحوا بهذه البدعة ثغرة على الدين نفذ منها المستشرقون وطعنوا في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبوا الإسلاميين إلى التناقض حين جعلوا الصحيح ظنيًا. وهؤلاء لا يقدرون على الإجابة على شبهات المستشرقين والقرآنيين ، وإنما يقدر عليها من سلم من أحكام أهل الكلام المتناقضة وأثبت خبر الواحد على طريقة أحمد والشافعي .

? أن الله أمر بطاعته ورسوله فقال وأطيعوا الله ورسوله فقال {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ } وقال { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } وعلى المسلمين أن يقولوا سمعنا وأطعنا ، والسمع والطاعة واجبان في كل ما ثبت عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تفريق بين العقائد والأحكام . فلا يجوز أن يقول: سمعنا في الأحكام دون العقائد فيما ورد إلينا بطريق الآحاد .

وإلا فعقوبة رد أمر الله الفتنة { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال أحمد: أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك لعله أن يردّ شيئًا مما أمر الله به ورسوله فيصيب قلبه الزيغ فيهلك .

? والقيد الذي أفاده قول الشافعي"خبر الواحد العدل"يفيد بأنه ليس كل خبر واحد يُقبَل مطلقًا وإنما خبر الواحد الثقة العدل الضابط المتصل السند .

وإلا فالخبر ثلاثة أنواع:

-ما اتصل سنده وثبتت روايته . فهذا حجة ومقبول .

-ما انقطع إسناده وضعفت روايته . فهذا مردود .

-ما لا أصل لسنده وعُرف وضعه وكذبه . فهذا تحرم روايته والأخذ به . وأبو بكر بن فورك يكثر من الإتيان بهذين النوعين الأخيرين من خبر الواحد ويتعسف تأويلها ، وقد كان ضعْفُ سندها كاف في ردها من غير ضرورة إلى هذا الاعتساف وقد ينكر ثبوت رواية ثابتة في الصحيحين [2] .

فما صح سنده فهو قطعي الثبوت سواء أكان متواترًا أو آحادًا . وهذا وسط بين من نفوا خبر الواحد . ومن تناقضوا بين نفيه وإثباته من جهة ، وبين من أثبتوه كله من غير نظر إلى سلامته من العلل القادحة في بعض أسانيده .

قال أبو المظفر السمعاني الشافعي"إن الخبر إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورواه الأئمة الثقات ، وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم هذا"

(1) البرهان 1/ 388 فقرة (539) .

(2) أنظر فتح الباري 8 / 596 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت