فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 1116

ونقل الحافظ ابن عساكر عنه هذا القول [1] .

? وقال أبو حنيفة"ولا يقال إن يد الله قدرته أو نعمته لأن هذا إبطال للصفة ، ولكن يقال يده صفته بلا كيف" [2] .

? وقول ابي حنيفة ( ولا يقال يده قدرته لأن هذا ابطال للصفة ) حجة ودليل على أنه لا يصح تأويل الصفات ويقاس عليه غيره ، فلا يقال (رجله) أي رجل من جراد ، ولا يقال (نزوله) نزول أمره ولا يقال (استوى) أي استولى لأن هذا إبطال للصفة .

وقوله حجة يصح بها وصف مؤولة الصفات بأنهم"نفاة الصفات". فإن التأويل يعود على النص بالإبطال .

? وهنا يحسن الاستشهاد باعتراف مهم لأبي الفضل أحمد بن الصديق الغماري - أخي عبد الله الغماري - في كتابه (الإقليد في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد ص 46 ) عند تفسير قوله تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ } قال"أما الأشعرية فأنكرت أن تكون لله يد بالمرة ، فهم أظلم منهم ، وزعموا أن من قال لله يد وعين وقدم: مشبّه ومجسم ، وحرّفوا معنى قوله تعالى { بِأَعْيُنِنَا } بالحفظ والقدرة ، وهو خلاف الحق ومذهب السلف ، فكانوا في ذلك أعلم من الله الذي أثبت ذلك لنفسه على المعنى الذي أراده ، لا على معنى الجارحة الذي فهمه الأشعرية وغيرهم من المؤولة ، وضل من قال"قدرتاه مبسوطتان"فإنه ليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة بلفظ التثنية ، بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله تعالى { أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا } ."

? وقال في الكتاب نفسه (ص59) في تفسير قوله تعالى { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } قال"استواءً يعلمه الله تعالى ويجب علينا الايمان به وتسليم معناه لله ورسوله ، لا استولى كما يقول الاشعرية المبتدعة تعالى الله عن قولهم وعن مذهبهم علوًّا كبيرا".

موقفهم من صفة الأصابع

ووجد الأشاعرة في حديث الأصابع معضلة كبيرة وهو الحديث الذي رواه البخاري (7414) عن عبد الله بن مسعود أن يهوديًا جاء الى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال"يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع. والجبال على إصبع ثم يقول: أنا الملك فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تعجبًا وتصديقًا له ، ثم قرأ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } حتى قال الخطابي [3] "ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي ، فإن اليهود مشبهة"ثم أنكر ثبوت أي ذكر للأصابع في القرآن ولا في حديث مقطوع به . وهذا باطل فإنه ليس في المخلوقات يد تمسك السموات ويد تقبض الأرضين السبع ولا إصبع توضع عليها الأرض ، وإصبع توضع عليها الجبال."

وقال القرطبي في المفهم"وضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ولهذا قرأ { وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ثم زعم أن زيادة ( تصديقًا ) ليست بشيء وهي باطلة أو أن الراوي ظن التعجب تصديقًا" [4] انتهى .

وقد تعقب الحافظ قول القرطبي بأنه يرد الأخبار الثابتة لأن زيادة (تصديقًا) ثابتة . ثم رد عليه بأنه يلزم من تأويلاته هذه تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهودي على الباطل وسكوته عن الإنكار وحاشا لله من ذلك .

قلت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغضب اذا انتهكت محارم الله ، وما عهدناه يضحك اذا انتهكت .

ئم قال الحافظ"وقد اشتد إنكار ابن خزيمة [5] على من ادعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار قائلًا: قد أجلّ الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الإنكار والغضب على الواصف: ضحكًا بل لا يصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الوصف من يؤمن بنبوته" [6] .

وبهذا يرد على ما ذكره الخطابي أن البخاري أول الضحك بالرحمة . فإنه لا يعرف هذا عن البخاري ، ولذلك تعقب الحافظ ابن حجر دعوى الخطابي فقال"لم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري" [7] .

ماذا يريد هؤلاء ؟

وهذه الاستنكارات والتأويلات التي أورثها المعتزلة للأشاعرة وغيرهم والتي أفرزتها وساوس الشيطان تحمل في طياتها الاشمئزاز والرد لكلام الله ورسوله .

وكيف لا يكون موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - موقف تصديق وقد قال"إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". ومع ذلك لم يستسغ الأشاعرة هذه اللفظة حتى حرفوا معناها فقال ابن فورك"قال بعض أهل العلم: إن الإصبعين هنا بمعنى النعمتين . فإن قيل: فما تفصيل ما بين النعمتين اللتين يتصرف القلب بينهما ؟ قيل: يحتمل أن يكون بمعنى النفع والرفع ويحتمل أن المراد به القدرة والملك والسلطان على معنى قول القائل: ما فلان إلا بين إصبعي" [8] .

ومن عادة هؤلاء اتهام الصحابة الرواة بالتصرف والوهم كما فعل القرطبي آنفًا وكما فعله الخطابي وابن بطال وابن فورك في حديث"لا شخص أغير من الله". وقال ابن بطال"أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص لأن التوقيف لم يرد به". وقد تعقبهم الحافظ جميعًا وأثبت صحة هذا اللفظ وعدم وقوع الوهم به ، وأن هذا يقتضي اتهامهم بالقصور في فهمهم ، ناقلًا عن الكرماني أنه"لا حاجة لتخطئة الرواة . . بل قد يكون المراد بالشخص: أي المرتفع لأن الشخص هو ما ظهر وشخص وارتفع" [9] .

(1) تبيين كذب المفتري 150.

(2) الدليل القويم 49 وانظر الإرشاد 161 مشكل الحديث وبيانه 472 الغنية 78 شرح النسفية 0 7 والباجوري على الجوهرة 93.

(3) الخطابي رحمه الله متناقض في موقفه من الصفات فتارة يؤول النص وتارة يتوقف فيه كقوله في قوله تعالى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } قال"هذا الحديث مما تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهره ولم يكشفوا عن باطن معناه" (الاسماء والصفات للبيهقي 436) وتراه في غير ذلك يتأول كثيرا من الصفات فقد أثبت الوجه واليدين والعين وفوض في صفتي النزول والاستواء فالتذبذب عنده واضح بين التفويض وبين التأويل .

(4) فتح الباري 13 / 398 .

(5) يصفه الحافظ عادة بأنه إمام الأئمة (أنظر فتح الباري 13 / 492 ) .

(6) فتح الباري 13/ 399.

(7) قارن بين فتح الباري 6 / 40 وبين 8 / 633 .

(8) مشكل الحديث وبيانه 238 - 239 و 242 .

(9) فتح الباري 13/ 401.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت