فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 1116

وقد ضاق الخطابي صدرًا بحديث"ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى"حتى قال"ليس في هذا الكتاب - يعني صحيح البخاري - حديث أشنع ظاهرًا ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل ، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورَيْن . . هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل". ثم زعم الخطابي أن هذه حكاية يرويها أنس من تلقاء نفسه .

وقد تعقب الحافظ أقوال الخطابي بكاملها وأكد أن قول أنس له حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه . قال"فالتعليل بذلك مردود" [1] .

وقال ابن بطال في قوله تعالى { قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا } يحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا وعظ الرسول إياهم" [2] ."

وهذه التأويلات تحمل في طياتها الاستدراك على رسول الله والتنزه عما لم يتنزه عنه وسوء الظن بنصوص الكتاب والسنة وتحريفها بجملة من الاحتمالات التي تحملّها ما لا تحتمل والطعن في ضبط الرواة واتهامهم بالقصور والوهم . كل ذلك استجابة لوساوس استحكمت واسترضاء لقواعد ارسطية ترجمت - نسأل الله الثبات على الحق .

إبطال تأويل الوجه

-قال الحبشي"وأما الوجه فقد ورد في القرآن إطلاقه على الله بمعنى الذات ويتعين تفسيره بالذات" [3] وقال"اللهم متعنا برؤية وجهك ذاتك الكريم" [4] وهذا ما قالته المعتزلة كما نقله الأشعري [5] عن أبي الهذيل العلاف أنه يثبت لله وجهًا هو هو.

ولهذا عارض ابن فورك هذا التأويل بعد أن نسبه للمعتزلة ثم قال"وجه الله صفته ولا يقال هو الذات ولا غيرها". وناقضه البغدادي معتبرًا وجهه ذاته [6] .

أولًا: هذا تأويل اعتزالي لا يختلف مع قول القاضي عبد الجبار المعتزلي [7] .

وهو تأويل باطل لقوله تعالى { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } قال البيهقي"فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال { ذُو الْجَلَالِ } ولو كان ذكر الوجه صلة ولم يكن صفة للذات لقال"ذي الجلال"فلما قال { ذُو الْجَلَالِ } علمنا أنه نعت للوجه وأن الوجه صفة للذات"وأثبته الباقلاني [8] وتفسير الوجه هنا بأنه الرب يلزم عليه إضافة الشيء إلى نفسه ويكون فيه تكرار للفظ دون معنى .

ألم تر في قوله تعالى { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } أن الله خفض { ذِي } وخفض الباء في { رَبِّكَ } قال ابن القيم"إنه لا يُعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه ، وغاية"

(1) فتح الباري 13/ 484-485.

(2) فتح الباري 13 / 497 .

(3) الدليل القويم 81 وانظر أصول الدين 110.

(4) المولد النبوي 28 .

(5) مقالات الإسلاميين 165.

(6) مشكل الحديث وبيانه 358 وقارنه بأصول الدين 110.

(7) متشابه القرآن 637-638.

(8) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ص 88 ط: دار الآفاق ، التمهيد 258 وانظر تفسير الطبري وأقاويل الثقات للمرعي المقدسي 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت