فهرس الكتاب
ومع كون الرواية في مسلم فقد سارع المتكلمون الجهال بالحديث إلى الطعن بالرواية فقال الرازي"إنه من البعد صدور مثل هذا الكلام عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي اصطفاه الله تعالى لرسالته ، وأمره ببيان شريعته" [1] .
وقد عقد البيهقي لذلك بابًا بعنوان ( باب ما جاء في إثبات العين ) واحتج لذلك بحديث الدجال المذكور وبتفسير ابن عباس لقوله تعالى { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بعين الله تبارك وتعالى" [2] ."
وقد احتج البعض بورود هذه الآية بلفظ الجمع { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } وكذلك { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } للتشويش على المثبتين: ومن احتج بما ذكره الله عن نفسه بلفظ الجمع على العدد فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم ، وشابه احتجاج نصارى نجران ب { إِنَّا } و { نَحْنُ } في القرآن على صحة الثالوث .
فمن المعروف في القرآن استعمال الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلًا بالمضاف إليه كقوله تعالى { إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} والمعنى قلباكما ، غير أن النطق بلفظ الجمع أسهل . وكذلك { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } والمعنى فاقطعوا أيْمانهما إذ لا تقطع إلا يد واحدة فقط . ولكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب .
قال ابن القيم"ودعوى الجهمي: أن ظاهر الآية { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } إثبات أعين كثيرة كذب ظاهر ، فإنه إن دل ظاهره على أعين كثيرة دل على خالقين كثيرين ، وكذلك قوله { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } إنما ظاهره بزعمك أعين كثيرة على ذوات متعددة لا على ذات واحدة".
? فهذه الصفات كاليدين والساق والعينين والصورة لا يجوز أن توهم تشبيهًا بحجة أن العباد يتصفون بها ، حكمها في ذلك حكم صفات الكلام والقدرة والحياة التي يتصف بها البشر أيضًا ، وأهل الباطل يحرفون النصوص فيزعم ابن فورك أن الضمير في قوله - صلى الله عليه وسلم -"رأيت ربي في أحسن صورة"يحتمل أن الضمير راجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي رأيت ربي وأنا في أحسن صورة [3] .
ورحم الله ابن قتيبة حيث قال [4] "والذي عندي - والله أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والإصبع والعين ، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد".
5-اتفاقهم (والحبشي) على تأويل صفة المجيء:
وقد خالف الأشاعرة شيخهم الأشعري إذ قال"ونقول إن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال { وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [5] ، ثم اتفقوا مع المعتزلة على تأويل صفة المجيء لله تعالى فقالوا { وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } يجيء أمر الله كقول المعتزلة [6] ."
(1) أساس التقديس 159 .
(2) الأسماء والصفات 2 / 40 - 41 .
(3) مشكل الحديث وبيانه 70 .
(4) اختلاف الحديث 1/ 541.
(5) تبيين كذب المفترى 161 والإبانة 25 .
(6) أساس التقديس 136 تفسير النسفي 1 / 105 و 2 / 42 متشابه القرآن 689 شرح الأصول الخمسة 229 و 247 للقاضي عبد الجبار المعتزلي ، رسائل العدل والتوحيد 1 / 229 .