فهرس الكتاب
وقد أتى الرازي بتحريف عظيم فزعم"أن الرب هو المربي ، فلعل ملكًا عظيمًا هو أعظم الملائكة كان مربّيًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان هو المراد من قوله { وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [1] وهذا نموذج لجرأة أهل الكلام على تحريف كتاب الله كل ذلك باسم التنزيه !"
? الماتريدي يحرّف آية المجيء
وزاد الماتريدية تحريفًا وجحودًا فحرف أبو منصور الماتريدي الآية مستبدلًا الواو في { وَالْمَلَكُ } إلى الباء"بالملك"فصار المعنى"وجاء ربك بالملك صفًا صفًا" [2] وهم يسمونه إمام أهل السنة ! وهذا تحريف شبيه بمن زاد اللام في الاستواء فجعلها ( استولى ) .
وجاء النسفي فنسف الآية بتأويلاته ووافق قول الماتريدي [3] وقال"لا يجوز أن يوصف الله بالمجيء والذهاب" [4] وهو قول عظيم فإن الذي وصف الله بالمجيء هو الله نفسه . فكيف يُحكم على ما أجازه الله بأنه غير جائز ؟!
الجواب عن هذه الشبهة
-أن في سياق الآية ما يبطل هذا التأويل فإن مجيء الملك معطوفٌ على مجيء الله ، والتفريق بين المجيئين بجعل أحدهما مجازيًا والآخر حقيقيًا تحكّمٌ محض لا تؤيده اللغة ولا الدين قال ابن عباس في تفسير الآية"فيجيء الله فيهم والأمم جثيّ"وعن الضحاك"ثم ينزل الملك الأعلى"وعن قتادة"وجاء الله يومئذ بجهنم ، وقال كذلك جنبتيه الجنة والنار حين ينزل من عرشه إلى كرسيه لحساب خلقه [5] ."
? ولذلك روى الإمام أبو عثمان الصابوني [6] عن محمد بن الحسن الشيباني أنه قال"قال حمّاد بن أبي حنيفة: قلنا للجهمية: أرأيتم قول الله عز وجل { وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } قالوا أما الملائكة فيجيئون صفًا صفًا ، وأما الرب فإنّا لا ندري ما عني بذلك ولا ندري كيفية مجيئه ."
فقلت لهم: إنّا لم نكلّفكم أن تعلموا كيفية مجيئه ولكنا نكلّفكم أن تؤمنوا بمجيئه ، أرأيتم من أنكر أن الملَكَ يجيء صفًا صفًا ما هو عندكم ؟ قالوا كافر مكذب قلت: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافر مكذب [7] .
وكذلك الأمر بالنسبة للإتيان لفصل القضاء { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ } قال مجاهد"يأتي يوم القيامة لفصل القضاء" [8] وحكى الطبري قول أبي العالية"تأتي الملائكة في ظلل من الغمام ويأتي الله عز وجل فيما شاء" [9] .
(1) أساس التقديس 143 .
(2) تأويلات أهل السنة 1 / 83 - 85 تحقيق عوضين وذكره ابن فورك في مشكل الحديث ص 208 عن بعض أهل التفسير .
(3) تفسير النسفي 4 / 356 .
(4) بحر الكلام 23 .
(5) تفسير الطبري ج 30 ص 118-120 .
(6) قال عنه السبكي"الفقيه المحدث المفسر الخطيب الواعظ الملقب بشيخ الإسلام"4 / 271 محققة وانظر شذرات الذهب 3 / 282 .
(7) عقيدة السلف وأصحاب الحديث 1 / 118 .
(8) الدر المنثور 3 / 388 .
(9) تفسير الطبري 2 / 191 الدر المنثور 1 / 241 .