فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 1116

ما يلزم من التفسير بمجرد اللغة

بل هم يحتجون بالأبيات الشعرية ويتهربون من الاحتجاج بقول رسول الله إذا لم يوافق معتقدهم ، فيحتجون بما روي عن ابن عباس"إذا خفي عليكم شيء فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب ، أما سمعتم قول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق" [1] .

ونسأل: كيف نتخطى تفسير رسول الله وهو أحق أن يتبع ، ألستم تقولون: أفضل أنواع التفسير: تفسير القرآن بالقرآن ثم تفسير القرآن بالسنة ؟ ما بالكم الآن تجاهلتم ما ثبت من تفسيره كما أثبته البخاري بالسند الصحيح ؟ ألأن الحديث لا يتفق مع قواعد علم الكلام التي أغرقتكم في الوسوسة ؟ كيف إذا خفي علينا شيء أن نبتغيه في دواوين الشعراء الذين يتبعهم الغاوون ولا نبتغيه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فهم سلف هذه الأمة ؟

ويلزم من قولهم إذا خفي عليكم شيء فابتغوه في اللغة أن نفسر الاستواء بالجلوس لأن اللغة تشهد بذلك . قال تعالى { وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ 12 لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } .

-أن معنى الآية إذا أوّلت بالشدة يكون يوم يكشف عن شدة ويُدعَون إلى السجود ، وهذا غير صحيح لأن وقت كشف الساق هو في وقت الشدة وهي لم تذهب بعد ، فلا يصح هذا التأويل . وفي كشف الشدة والهول على معنى إذهابها وإزالتها يقال: كشفت الشدة ، ولا يقال كشف عنها ، كقوله تعالى { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ } فالعذاب هو المكشوف لا المكشوف عنه ، فإذا قيل كشف عنها أصبح المعنى أنها أظهرت وبينت . وعلى هذا الشاهد"إذا شمرت عن ساقها الحرب"أي أعلنت فظهرت مشتدة لا تخفى على أحد .

وفي الحديث"هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون الساق ، فيكشف عن ساقه". فلما قالوا"الساق"ثم كشف عن ساقه . وحصل السجود أو محاولته تبين أن المقصود بالساق شيء خاص بالله تعالى هو صفة له ، وليس إذهابًا للشدة لأنها موجودة بعد كشفه . بل إن أشد الشدة عند حال السجود خاصة ممن لا يستطيعون . فليس الكرب والشدة هو العلامة . وفي حديث مسلم"ذاك يوم يجعل الولدان شيبة وذلك يوم يكشف عن ساق". فكيف يفسر الكشف عن الساق بأنه كشف عن الشدة وقد أخبر أن يوم الكشف هذا تشيب منه الولدان ؟ هذا تناقض !

8-اتفاقهم (والحبشي) على تأويل صفة الرجل

وتأوَّل صفة القدم في قوله - صلى الله عليه وسلم -"لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط"معناه"الجماعة الذين يقدمهم الله للنار فتمتلئ بهم"وعارضه تأويل أصحابه كابن فورك قال"يحتمل أن يكون هذا تمثيلًا بالأمر الذي يوطأ بالقدم" (مشكل الحديث وبيانه 234) .

وزعم الحبشي أن قوله - صلى الله عليه وسلم -"حتى يضع فيها رجله"بمعنى الجماعة كما يقال: رجلٌ من جراد". قال"وما ورد أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله فيها رجله فتقول قط قط: فالمراد بالرجل الفوج الذين يملأ الله بهم النار .

وقد تناقض الأشاعرة في ذلك تناقضًا شديدًا حتى أورد المرتضى الزبيدي لها ثلاث تأويلات محتملة لا يدري أيها يرجح . فزعم أنه يجوز أن يكون معنى الرجل رجل بعض خلقه . أو أن هناك

(1) هذه الرواية مروية من طريق عبد الله بن المبارك: أنبأنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس . فيها أسامة بن زيد بن أسلم القرشي العدوي أخو عبد الله بن زيد بن أسلم . وهو مضطرب سندًا ومتنًا . فتارة يرويه مقطوعًا على عكرمة وأخرى موقوفًا على ابن عباس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت