فهرس الكتاب
ثم إن هذه الأحاديث رتبها المحدثون كالبخاري ومسلم وغيرهما تحت أبواب العقائد والصفات والمعنى أن هذا ما يجب أن نؤمن به من صفات الله . وإلا فحديث الساق والرجل المذكورين لهما علاقة باليوم الآخر فكان أحرى أن يُرتبا ضمن كتاب الزهد والرقائق .
هل كان البخاري مؤولًا ؟
وهذا يدحض شبهة الأحباش أن البخاري كان مؤولًا للصفات بدليل تأويله قوله تعالى { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ } قال (ملكه) .
والجواب: اعترف الأحباش في مجلتهم (25/ 52) أن السلف قالوا الله أعلم بالمراد فيها أما الخلف فحددوا لها معاني"وحكى الرازي في أساسه (236) أن طريقة السلف وجوب تفويض معاني الصفات ولا يجوز الخوض في تفسيرها . وصرح الحافظ أن"السلف لم يخوضوا في التأويل" (الفتح 13/ 350) وقال الطحاوي"التأويل المعتبر: ترك التأويل ولزوم التسليم وعليه جماعة المسلمين"فهو يحكي الإجماع ."
وذكر البيهقى صفات الفوقية والنزول والإتيان ، ثم روى بسنده عن الوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعى ومالك والثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا"أمرّوها كما جاءت". (الأسماء والصفات 453) .
وذهب البيهقي إلى أن التأويل"غير واجب"فحينئذ التفويض أسلم" (فتح الباري 3/ 30) وحكى قول ابن فورك"أن المتقدمين منهم (الأشاعرة) لم يفسروا هذه [أي الصفات] ، ولم يشتغلوا بتأويلها" (الأسماء والصفات 423 محققة 2/ 70) ."
وقال ابن الجوزي { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } أن"إجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية" (زاد المسير 213/3 و 1/225) . قال الحافظ فطريق السلف في هذا أن تمر كما جاءت ولا يتعرض لتأويله" (فتح الباري 8/ 596) ."
وساق السبكي عن أحمد قوله"لا يُوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم -: لا نتجاوز القرآن والحديث" (طبقات السبكى 39/9 محققة) . قال الحافظ ابن رجب"ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصًا الإمام أحمد" (فضل علم السلف 139- 140) .
وساق الزبيدي اعتراف القشيري أن من السلف"الشافعي ومالك وأحمد والمحاسبى والقلانسي اختاروا عدم التأويل للمتشابهات"وأن أحمد سد باب التأويل على الإطلاق . ونقل عن والد الجوينى أن طريقة كثير من السلف كابن عباس وعامة الصحابة الإعراض عن الخوض في التأويل (إتحاف السادة 2/ 110 و 12 و 79) .
ولم يعهد عن البخاري مخالفته لطريق السلف المخالف للتأويل باعتراف الأحباش .
بل كان التأويل سبيل الاعتزال ، قال الشيخ محمد بن درويش الحوت"التأويل مذهب المعتزلة (رسائل في عقائد أهل السنة 31) ."
ولو كان التأويل منهج البخاري لرأينا منه تأويل أحاديث الصفات الأخرى فإن الحاجة إلى تأويلها أعظم من تأويل الوجه بالملك . فقد نص في كتابه (خلق أفعال العباد 98) أن صوت الله لا يشبه صوت المخلوقين"وأثبت المجيء والاستواء والنزول والضحك واليد ولم يؤول شيئًا منها ؟"
ومن رزقه الله إنصافًا يلاحظ انعدام التأويل عند السلف فلم يثبت عن الشافعي ولا البخاري ولا مالك تأويل الاستواء بالاستيلاء واليد بالقدرة .
فإن هذه الأدلة تؤكد إجماع السلف على عدم التأويل .
فكيف يقال إن البخاري اعتمد التأويل في صفات الله ؟
ولقد ساق الذهبي عقيدة البخاري كما في العلو (137) واعتمد على كتابه هذا المتضمن إثبات عقيدة السلف والرد على الجهمية .