فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 1116

لقد كان مراد البخاري من إدراج أحاديث الصفات في جامعه الصحيح ضمن كتاب أسماه (كتاب التوحيد والاعتصام بالسنة) التنبيه على ضرورة الإيمان بصفات الله التي وردت فيها وفي كتاب التوحيد ليُدلل على أن إثباتها من التوحيد ، يؤكد ذلك منهجه في كتابه"خلق أفعال العباد"حيث أثبت هذه الصفات التي يفرُّ منها المتقدمون الجهمية وشدد على اقترانها بـ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } .

قال الحافظ"غرض البخاري في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء" (فتح الباري 13/496) . فاعتقاد البخاري مماثل لعقيدة أحمد التي خالفها الأشاعرة كما حكاه الحافظ عن أحمد أنه يثبت أن الله يتكلم بصوت ، في حين أن الأشاعرة قالوا: إن كلام الله ليس بصوت (فتح الباري 13/ 460) .

وفي الاستواء روى البخاري تفسير السلف قوله تعالى { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } قال مجاهد: أي علا على العرش ، وقال أبو العالية استوى أي ارتفع.

فالآية { إلا وَجْهَهُ } ليست من آيات الصفات التي تثبت بها صفة الوجه لله تعالى ، وإنما يثبت صفة الوجه بنصوص أخري ذكرها البخاري من غير أن يتعرض لها بتأويل ، فقد روى قوله - صلى الله عليه وسلم -"أعوذ بوجهك"وقوله"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله""ولا عتاقة إلا لوجه الله"وهى لا يمكن تأويلها بالملك ، لكنه لم يؤول شيئًا منها ، مما يدل على أن الآية ليست عند البخاري من آيات الصفات .

9-اتفاقهم ( والحبشي ) على تأويل صفة الضحك

الضحك صفة كمال حقيقية لله ، ولا علم لنا بكيفيتها ، ولو كانت صفة نقص لما وصف الله نفسه بها ، وإنما يدعي النقص من أصابت الشبهات قلبه ، فلجأ إلى التعطيل ظنًا منه أن ذلك طريق النجاة من الشبهات . قال الحبشي في تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"ضحك الله من فعالكم"قال"وضحك أي رضي وليس كضحك البشر" [1] .

وهذا تناقض وخطأ:

ا) فإنه لا يحق للمؤول أن يقول"ليس كضحك البشر"بعد أن صَرَفَ الصفة عن موصوفها وحرّفها إلى الرضا ، وإنما هذا حق من أثبت صفة الضحك على حقيقتها وقال: يضحك الله كما أخبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولكن يضحك لا كما يضحك البشر.

2)أما التأويل فإن الأشاعرة ليسوا أصلًا متفقين على تأويل واحد فيما بينهم فالرازي يؤول قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"ضحكتُ لضحك ربي"أي أن الضحك الحاصل في ذاتي بسبب أن الرب خلق ذلك الضحك". أو أن يُحمل الضحك على حصول الرضى والإذن . ثم زعم أن قوله - صلى الله عليه وسلم -"فيضحك الرب منه"قد حصل فيه الغلط في إعراب هذا اللفظ وأن الصواب أنه بضم الياء أي يُضحكُ اللهُ الملائكةَ" [2] . كذا أوله الخطابي تارة بالرضا وتارة بإضحاك الملائكة [3] . بينما يفسر ابن فورك الضحك بالظهور والبيان ووافقه البغدادي [4] .

وجاء العز بن عبد السلام رحمه الله فزعم أن لضحك الله ثلاثة معان:

الأول: أن يريد الرب بمن أطاعه ما يريده الضاحك بمن أضحكه .

(1) صريح البيان 177 .

(2) أساس التقديس 189.

(3) الأسماء والصفات للبيهقي 2/216-218 .

(4) مشكل الحديث 139 أصول الدين للبغدادي ص 80 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت