قال لولده عند مرض موته"لا تخف أحدًا ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلي الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد" [1] .
واستغاثة العبد الضعيف بعبد ضعيف مثله كاستغاثة الغريق بغريق مثله . ومن الأقوال المنقولة عن الشيخ أحمد الرفاعي"أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال"أتستغيث بغيري وأنا الغياث"؟ [2] غير أنكم سويتم الرفاعي برب العالمين ووصفتموه بأنه غوث الثقلين . يستغيث به الجن والإنس بل حتى النعجة التي ينقض عليها الذئب تصيح: خلصني يا سيدي أحمد . وقد كذبوا عليك أيتها النعجة بينما أنت على ملة هدهد سليمان ."
والله تعالى هو الغياث { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } . فجعلتم الرفاعي شريكًا معه في ذلك . والله { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فجعلتم الرفاعي شريكًا له في هذه الآية وغوث الثقلين يسأله الجن والإنس في السماء والأرض ، فكيف يكون غضب الله عليكم ؟
وإذا كانت الاستغاثة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - جائزة فلماذا نوبخ النصارى الذين يستغيثون بالمسيح ؟ أليس هذا إقرارًا منكم بجواز قول النصارى يا مسيح ؟ وجواز قول الشيعة"يا حسين""يا صاحب الزمان"؟
ونحن نحتج عليكم بما تحتجون به على النصارى إذ تقولون: أين قال المسيح اعبدوني مع الله ؟ ونحن نقول لكم: أين قال محمد - صلى الله عليه وسلم - إدعوني مع الله ؟ لا فرق بين"يا محمد يا بدوي لا عبد القادر يا رفاعي"وبين"يا مسيح""يا حسين". قال تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ } وقال { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } .
وهل يمكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قدر أن هناك ألفًا في مصر يسألونه - صلى الله عليه وسلم - وألفًا في أندونيسيا وألفًا في الصين ، كلهم يستغيثون به: فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ؟
إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشغله سمع عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق . وجعلتموه شريكًا مع الله في قوله { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ } وجعلتم كل مقبور مستحقًا صفات: سميع ، بصير ، مجيب ، كاشف .
? إن النبي الذي تدعونه مع الله لجلب النفع ودفع الضر كان هو يتوجه إلى الله وحده لذلك . هو يتوجه إلى الله وأنتم تتوجهون إليه ؟ ما وافقتم من تزعمون محبته . وهو الذي أمره الله أن يقول { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } . وإذا كان الذي يدعونه من دون الله لا يسمع من دعاه عن بعد حين كان حيًا: فكيف يقبل من عنده عقل الاعتقاد أن النبي أو الصالح يسمع من يناديه ولو من بعيد وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع كل من يدعوه بعد موته ولو كان في أمريكا ؟ قال تعالى { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } .
ويوم أن يحال بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين أناس عند الحوض يقول"أصيحابي أصيحابي ، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (متفق عليه) .
فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته .
وهذا عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
فما بال أناس يعتقدون أنه - صلى الله عليه وسلم - يسمع مناديه في المشرق والمغرب ؟ هل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن الله للكفار إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على أشياء مما عندهم { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } .
(1) - الفتح الرباني والفيض الرحماني 117 - 118 و 159 184 و 373 .
(2) - حالة أهل الحقيقة مع الله 92 .