فهرس الكتاب
فهذا قد شبه ربه بالمعدوم إذ لو سألنا هذا النافي لصفات الله:
صف لنا المعدوم ؟
فلن يسعه إلا وصف المعدوم بمثل ما وصف به ربه . ولذلك قيل: المشبه يعبد صنمًا ، والمعطل يعبد عدمًا .
والمدقق في مقالتهم يعلم أنهم إنما أثبتوا للخالق وجودًا مطلقًا ليس له وجود حقيقي في واقع الأمر ، وليس له إلا وجود خيالي في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان . والنفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال . وذلك لأن النفي عدمٌ والعدم ليس بشيء [1] .
لزوم تأدب الحبشي مع الله
وتنزيه المتكلمين لله مقترن بسوء الأدب في حقه .
ولا أدل على هذا التنقيص من كلام الحبشى ، فإنه أخذ يحذّر الناس من الألفاظ السيئة في حق الله تعالى لكنه أخذ يفترض ويفصل ما ليس من الأدب تفصيله كقوله: من قال"أخت ربك""خلصني من ربك""حل عنى أنت وربك""وحياة شوارب الله""يا"دخيل رجلين ربك ""وحياة شوارب الله"" أكون قوادًا إن صليت" [2] ."
ولو أنك قلت للملك: أنت لست بزبال ولا سباك ولا غبي ولا بهيم لبادر إلى تأديبك على هذا التنقيص . مع أنك تنفي عنه ما لا يليق به ، فكيف يستخدم هذه الألفاظ بحق ملك الملوك سبحانه .
ليس كل من أراد التنزيه أصابه
كل الفرق الضالة تدعي أنها تريد تمجيد معبودها وتقدسه ، ولكن: ليس كل من أراد التنزيه أصاب التنزيه:
فالمجوس زعموا أن الله منزه عن أن يخلق الشر حتى قالوا بإلهين: إله للنور والخير ، وإله للظلمة والشر .
والمعتزلة قاربوهم حين نزهوا الله عن خلق الشر فزعموا أن العباد يخلقون أفعال أنفسهم ، وسلبوا عن الله قدرته بل وبعضهم سلبه علمه السابق .
وعامة أهل الكلام زعموا أنه لا يجوز أن يتصف الله بصفات الاستواء والنزول واليد والأصابع والوجه وغير ذلك مما نزل به الكتاب وصحت به السنة . كل هذا بدعوى تنزيهه عما لا يليق به .
إن هذه الطريقة في التنزيه متسمة بالتنقيص والجرأة على الله وسوء الأدب معه ، وتجريد الرب من صفات الكمال حتى ألجأهم هذا التنزيه إلى تعطيل ما وصف به نفسه ، وصارت تلك الصفات في مخيلاتهم الفاسدة صفات نقص وصار إثباتها دليلًا على التشبيه والتجسيم والحشوية . بل صارت سببًا للوقوع في الكفر والردة والعياذ بالله . { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا } [فاطر 8] { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا 103 الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [الكهف 104] .
الصفات الذاتية والصفات الفعلية
(1) الرسالة التدمرية 39 .
(2) النهج السليم 57 و 64 الدليل القويم 145 و 149 بغية الطالب 41 .