فهرس الكتاب
ولا يفرق الحبشي بين الصفات الذاتية لله تعالى وبين الصفات الفعلية . فقد خلط بين النوعين بقوله"وأما العين واليد والرضا والغضب ونحو ذلك فمحمول على أنه صفة أزلية" [1] . ولو كان واثقًا مما يدعي لما قال"محمول"فهذا الحمل"احتمال"والاحتمال مرفوض في العقيدة .
إنه يتجاهل ما اعترف به المحققون من الأشاعرة (كالرازي) أن صفات الله تعالى على نوعين:
صفات ذاتية: فهذه لم يزل متصفًا بها لا يجوز القول أنه اتصف بشيء منها بعد أن لم يكن ، مثل صفات العليم ، الحكيم ، القدير ، الرحيم .
أما الصفات الأخرى كالاستواء والنزول والمجيء فهي صفات فعلية: وليست أزلية . وهي صفات قائمة بمشيئته واختياره كما قال الشافعي"يقرب من خلقه كما يشاء" [2] .
ولا يقال أن الله غضب أزلًا ورضي أزلا ، فإن هذا مما لا يوافقه عقل ولا يسعفه نقل . بل الأدلة من الكتاب والسنة متوافرة في نقيض من يقول بذلك فقد جاء في حديث الشفاعة ( إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ) [3] وهذه لا يلزم من عدمها في وقت ما نقص على الله تعالى .
وكثير من أهل الكلام أنكروا قيام الصفات الفعلية بمشيئة الله واختياره . لئلا يلزم من ذلك قيام الحوادث به سبحانه ، فقالوا صفات الله كلها أزلية . واضطروا إلى القول بعد ذلك إن الله تعالى كان يحب الصحابة أيام كانوا كفارا ويبغض المرتدين قبل حصول الردة منهم يوم كانوا مؤمنين .
وحجتهم في ذلك أنهم قالوا: إذا أثبتنا الصفات الفعلية الاختيارية قلنا بحلول الحوادث بالرب [4] .
وخالفهم آخرون في قضية الصفات الفعلية: فقالوا بحدوثها لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديمًا [5] حتى إن البيهقي وجماعة قسموا جميع الأسماء المذكورة في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة إلى قسمين:
ا- صفات الذات: وهو ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال .
2-صفات الفعل: وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل [6] قاله الحافظ العسقلاني في الفتح .
كما نقل عن الكرماني تقسيم الصفات إلى ثلاثة أقسام آخرها صفات حادثة مثل الخلق والرزق قال"ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله" [7] .
ولهذا قال البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وقوله { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } بأن حدثه سبحانه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } وقال ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن الله عز وجل يُحدث من أمره ما"
(1) الدليل القويم 82 .
(2) عون المعبود 13/41 طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/283 .
(3) أخرجه البخاري (4712) ومسلم رقم (194) .
(4) وستجد كيف يلزمهم الرازي بالقول بالإقرار بحلول الحوادث بالرب وإن أنكروه .
(5) فتح الباري 13/496 .
(6) فتح الباري 13/357 وانظر كتاب الاعتقاد 70 للبيهقي .
(7) فتح الباري 13/497 .