فهرس الكتاب
الأشعريّ يَقول بقيام الحوادث بالله
ثم إن مسألة قيام الحدث في الله محل خلاف بين الأشعرية والماتريدية قبل أن تكون خلافًا مع ابن تيمية . وقد اعترف ابن حجر المكي الهيتمي والعسقلاني بهذا الخلاف بين الفرقتين فقال الهيتمي"صفات الأفعال حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية" [1] .
وقد زعم الحبشي تارة أن الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية خلاف لفظي ليس في أصول الدين ، وتارة أخرى بأنه خلاف في الفروع . فإن حكمتم على المخالف إياكم بأنه كافر لقوله بقيام الحدث في الله فقد حكمتم على الأشعري ومن رافقه بالكفر .
بمعنى أنه: إن كان ابن تيمية كافرًا لقوله بقيام الحدث في صفات الله فليكن أبو الحسن الأشعري والبيهقي والبخاري والحافظ ابن عساكر والكرماني كفارًا أيضًا لأنهم موافقون لابن تيمية قائلون بقوله لا سيما أبو الحسن الأشعري كما نص عليه الحافظ في الفتح [2] والذي يتشدق الحبشي بالحرص على اتّباعه والبراءة من مخالفيه بينما هو أول المخالفين لطريقته .
وان أراد أن هذا الحدث مثل حدث المخلوقات فهذا يُنزّه الله عنه ، وتقدم نص البخاري في باب قول الله تعالى { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وقوله { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } بأن حدَثه سبحانه لا يشبه حدَث المخلوقين لقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
وقال ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن الله عز وجل يُحدث من أمره ما يشاء" [3] . فالمتكلم إذا تكلم بعد سكوت لا يقال إنه حدَث له كلام ولكن يقال للأبكم إنه حدث له الكلام بعد أن لم يكن الكلام صفة له .
وهؤلاء جعلوا أنفسهم أحرص على انتقاء الألفاظ لرب العالمين من رب العالمين . فهم لا يرضون أبدًا أن يصفوا كلام الله بهذه الصفة التي وصف بها نفسه لأن المحدث عندهم مخلوق .
ولكن لغة القرآن تخالف هذا الأصل الكلامي العقيم . فقد قال تعالى { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } وقال { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } . وهذا لا يعني أن كلامه مخلوق لأننا لا نلتزم قواعد أهل الكلام ، بل نقول كما قال البخاري (حدث فعله سبحانه لا يشبه حدث أفعال المخلوقين) .
صفات الأفعال عند أهل السنة
إن أهل السنة الذين يفرقون بين صفات الذات وصفات الأفعال ، وأن قيام الحدث في أفعاله تعالى ليس قولًا بالحدث في شيء من ذاته واثقون:
(1) فتح المبين شرح الأربعين 78 وانظر فتح الباري 13/439 .
(2) فتح الباري 13/.
(3) البخاري 4/410 .