فهرس الكتاب
ولكن ! أين قالوه؟ ومن هؤلاء البعض من الحنابلة المبالغين؟
فهم ساقطون عن منزلة التثبت في النقل والأمانة ، أهل أهواء: إن مدحوا بالغوا ، وإن ذموا بالغوا واتبعوا أهواءهم.
وفي هذا البحث نكشف حقيقة معتقد الأشاعرة في كلام الله ونثبت أنهم وإن كانوا يصرحون بعدم خلق القرآن إلا أن مآل مذهبهم ينتهي بهم إلى القول بما يحذرون منه ، وأن القرآن لم يكن من الله تعالى ، ولا يعتقدون أن الله يبتدئ كلامًا متى شاء.
فقد تأوّل الحبشي قول أبي جعفر الطحاوي عن كلام الله بأنه ( من الله بدأ ) على معنى أنه: منه ظهر . أي أن جبريل حوّل كلام الله من معانٍ نفسية إلى ألفاظ من عنده. وبهذا يصير عنده:
جبريل عندهم منشئ ألفاظ القرآن!
لقد أعلن الحبشي أن القرآن في الحقيقة كلام جبريل حين اعتبر لفظ القرآن المنزل"عبارة عن كلام الله"قال"ويدل عليه قوله تعالى {إنه لقول رسول كريم} حيث أضافه إلى قول جبريل ... وقد ورد إسناد القراءة إلى الله تعالى مرادًا به قراءة جبريل لأنها بأمر الله تعالى ، قال تعالى { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } ، ثم استدل بقول أبي القاسم الأنصاري"أن كلام الله القديم هو الذي تدل عليه العبارات وليس منها" [1] . أي أن كلام الله ليس له علاقة بهذه العبارات التي هي عبارة جبريل عن كلام الله ."
وقد صرح الحبشي بأن"القرآن بمعنى اللفظ المنزل هو غير كلام الله"وهذا تصريح منه بأن القرآن ليس كلام الله [2] .
فهذه هي عقيدة الأشاعرة تبناها الحبشي وزعم أنها عقيدة أهل السنة وهي قول المعتزلة في ثوب آخر . وهو قول قديم مشهور في المذهب الأشعري حكاه البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد .
فقد حكى البيجوري أن بعض الأشاعرة يرى أن ألفاظه من عند جبريل . والبعض الآخر يرى ألفاظه من عند محمد . وهو قول الأمير في شرحه على الجوهرة .
فهؤلاء وافقوا قول من قال { إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } [المدثر 25] .
ورجح البيجوري أن جبريل عبَّر عنه بألفاظٍ من عنده" [3] ."
ابن حزم يشنِّع على الباقلاني هذا القول
وهذا الرأي يمثله الباقلاني الذي صرح أن"النظم العربى في القرآن هو قول جبريل لقوله تعالى { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } وهو الذي تلاه باللغة العربية" [4] فصار القرآن عندهم كلام جبريل حقيقة كلام الله مجازًا! وهذا ما حمل ابن حزم على التشنيع على الباقلاني خاصة والأشاعرة عامة بالشناعات العظيمة، متهمًا إياهم بأنهم صرحوا جميعًا وبلا مخالفة واحد منهم أن هذا القرآن هو عبارة جبريل [5] .
(1) إظهار العقيدة السنية 58-59 و 62.
(2) الدليل القويم 69.
(3) شرح جوهرة التوحيد 73 وهو كتاب مريض يتخرج عليه كثير من المرضى الذين يخرجون لمداواة المرضى !
(4) الإنصاف 147.
(5) انظر الفصل في الملل والنحل 3/5-7 و 4/206-207 و 211.