فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 1116

وهذا من أبطل الباطل، فإن نصوص القرآن تنطق بأن قرآنه هو كلامه. ألا ترى أن الجن قالت فيما أخبر الله سبحانه { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } وفي آية أخرى { إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى } فبين جل جلاله أن الكتاب هو القرآن لا غير.

وجبريل رسول { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ } وليس عليه الترجمة من كلام نفسي إلى كلام بحرف وصوت! وهو قد نزل به إلى محمد ولم ينشئ ألفاظه كما قال تعالى { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ } ، إذ لو كان منشئًا لم يكن رسولًا ولا مبلغًا. ولكن الأشاعرة يقولون: أنشأه ثم أنزله !

ما يلزم من هذا الاعتقاد الفاسد

ويلزم من هذا الاعتقاد لوازم فاسدة منها:

-عدم تكفير من ينكر ما بين الدفتين أن يكون كلام الله تعالى.

-وعدم كون المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي.

-عدم كون المقروء والمحفوظ كلام الله تعالى حقيقة.

-الإثابة على ما هو في الحقيقة تلاوة وترتيل ألفاظ جبريل.

وزاد ابن تيمية بأنه يلزم من هذا التعريف:

أن الأبكم متكلم.

وأن من حدّث نفسه في الصلاة تبطل صلاته.

ومن حدّث نفسه بالطلاق ولم ينطق به طلقت زوجته بمجرد تكلمه بالطلاق في نفسه.

كل ذلك يدل على أنه بدعة دخيلة في الدين.

والله أثبت الكلمات لنفسه فقال { فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ} [لأعراف 158] .

وقال { وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ } [الأنعام 34] .

وقال { وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } [يونس 82] .

وقال { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ } [التحريم 12] .

وتواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستعاذة بكلمات الله التامة.

فكيف يقال إن كلام الله معنى قديم قائم بالنفس ليس بكلمات؟

ويُفسد هذا التأويل قوله - صلى الله عليه وسلم -"نبدأ بما بدأ به الله" [1] .

ولما شعر الحبشي باعتساف تأويله وعدم هضم الفطر السليمة له قال عن الطحاوي"فعبارة المؤلف دقيقة جدًا لا يفهمها على وجهها إلا من فتح الله تعالى قلبه لفهم الحق" [2] . ولكن متى كان الغموض والإبهام معبرًا عن دقة التعبير؟!

فقوله هذا ليس فيه إثباث لكلام الله ، بل هو:

ا) إثباتٌ للخرس. وهذا شر من قول المعتزلة الذين أثبتوا لله كلامًا وإن كانوا ضلوا باعتقادهم أنه مخلوق.

2)أن هذا القول لو صح فإنه يؤيد كلام الوليد بن المغيرة { إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } .

3)أنه زعم تنزيه الله عن مشابهة كلام البشر فشبّهه بعجل بني إسرائيل الذي قال الله فيه { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا } .

قال أحمد فيما رواه عنه أبو الفضل التميمي"إن لله عز وجل كلامًا هو به متكلم ، وذلك صفة له في ذاته خالف بها الخرس والبكم والسكوت ، وامتدح بها نفسه فقال عز وجل في الذين اتخذوا العجل "

(1) رواه مسلم (1218) وأبو داود (1905) والموطأ 1/ 374.

(2) إظهار العقيدة السنية 59 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت