فهرس الكتاب
عيسى لا يعلم ما في نفس الله لكن جبريل يعلم!
وكيف تسنى لجبريل الذي لا يعلم ما في نفس البشر أن يعلم ما في نفس رب البشر؟
هذا نبي الله عيسى يصرح بأن الله يعلم ما في نفوس الخلق لكنهم لا يعلمون ما في نفسه قائلًا { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } . وتمتدح الملائكة ربها {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} . فكأن جبريل بنظرهم يقول لله (تعلم ما في نفسي وأعلم ما في نفسك) فجعلوا جبريل مطلعًا على ما نفس الله !
ولهذا اعترف الرازي في آخر الأمر أن القول بالكلام الأزلي الذي ليس حرفًا ولا صوتًا فغير معلوم التصور وهو محض الجهالة [1] .
? وتتحدثون عن كيفية تلقّي جبريل كلام الله النفساني ثم صياغته للمعاني النفسانية وتحويلها إلى كلمات لفظية ببساطة متناهية وكأن الله أطلعكم عليها من دون أنبيائه وأصحابه. فيلزم توجيه سؤال الله لكم { هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } .
إن الله قال فيمن سلف من المفترين { أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ } ونحن نقول لكم: أم اطلع جبريل على ما في نفس الله وأنتم شاهدون؟
إن عقولكم حكمت على الأرض بأنها مسطحة. فإذا كنتم تجهلون حقيقة المخلوق فأنتم أجهل الأرض بالأرض، فكيف حكمت عقولكم على الطريقة التي تلقى فيها جبريل كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتًا؟!
إن كنتم تعلمون المعبر أو"المترجم"الذي ترجم كلام الله من أزلي إلى حادث ومن"لا لغة"إلى لغة: فلا بد أن تكونوا على علم بما يلي: من الذي عبر لموسى بالكلام العبراني. أهو جبريل أم من؟
وأين الدليل المتواتر يا من تشترطون المتواتر في العقائد على هذه الكيفية بالتحديد الذي حددتموه؟
ثم ما حكم من يرفض مذهبكم في الكلام النفسي؟
وإذا كنتم تعتقدون أن الله أوحى إلى جبريل فقد أوحى إليه كلامًا وألفاظًا.
وإذا كان الله كتبه في اللوح المحفوظ ثم أخذه جبريل من هناك فقد كتب الله ألفاظًا ونزل بها جبريل. دليل ذلك أن الله كتب في اللوح كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ولا يمكن أن يكون المكتوب بلا ألفاظ ولا لغة.
وهذا محير للأشاعرة. وإذا أردت أن تقف على مزيد حيرة الأشاعرة فاقرأ ما نقله السيوطي في كتاب الحاوي [2] .
ولذلك رجع بعض محققي الأشاعرة عن هذا القول منهم الرازي و"الإيجي"صاحب المواقف كما حكاه عنه"الجرجاني"ومال إليه [3] "والشهرستاني"ومن المتأخرين ابن الهمام والشيخ"ملا علي القاري"والشيخ"إبراهيم الكوراني"في كتابه"إفاضة العلام بتحقيق مسألة الكلام"قاله الألوسي [4] .
(1) محصل أقوال المتقدمين والمتأخرين 266.
(2) الحاوي للفتاوي 1/ 336-337.
(3) يظهر أن موقف الإيجي محذوف من المواقف على عادة أهل الباطل في حذف المشكل من كتب سادتهم كما فعلوا في المضنون على غير أهله والإحياء للغزالي ولكن الجرجاني ذكره في شرحه على مواقف الإيجي (8/103-104) كما اعترف برجوع الشهرستاني عن مقالة الأشاعرة في الكلام النفساني.
(4) فتح الباري 13/455 المطالب العالية 2/106-111 و 2/106 و 3/204-207 نهاية الإقدام 312 المسامرة على المسايرة 1/89.