فهرس الكتاب
لأنهم يرون أن الله تعالى يتكلم بكلام أزلي أبدي لا بداية له ولا نهاية وهو ليس كلامًا مؤلفًا من الحروف والألفاظ المتعاقبة التي تتجزأ وتتبعض، وإنما هو كلام نفساني تكلم الله به في نفسه لأن كلام الله ليس لغة ولا حرفًا ولا صوتًا.
? وبما أن هذه الشروط لا تتفق والقرآن الذي بين أيدينا من حيث احتوائه على الحروف والكلمات وعلى تجزئته كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -"إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء" [1] : اعتبروا حينئذ هذا القرآن الذي بين أيدينا مخلوقًا وأنه يطلق عليه كلام الله مجازًا لا حقيقة، لذا فهو"عبارة عن كلام الله"بمعنى أنه يحكي كلام الله وليس هو كلام الله [2] . ولو كانت العبارة هي نفس المعبر عنه- أي القرآن- لما احتاجوا إلى استعمالها ولقالوا: القرآن كلام الله وانتهى الأمر!.
ولا نزال نسألكم: من المعبر عن هذه العبارة؟ ولماذا تقولون"فإن عُبِّر عن كلام الله"لماذا تصيغونها بصيغة نائب الفاعل فتجعلون الفاعل مجهولًا؟ هلا أفصحتم عن شخصية هذا المعبّر؟
وقد جاء في رواية الخلال وأبي الفضل التميمي عن أحمد بن حنبل أنه كان يضلل من يقول: إن القرآن عبارة عن كلام الله عز وجل، وأنه قد جهل وغلط [3] .
فكلام الله النفسي الذي ليس هو حرفًا ولا لغة هو كلام الله الحقيقي عند هؤلاء ، أما القرآن ذو الألفاظ فهو مخلوق لكن يمكن إطلاق لفظ القرآن عليه مجازًا ، وهذا الكلام موافق تمامًا لما قاله الماتريدي في تأويلاته [4] وهذا لا يختلف مع الجهمية والمعتزلة القائلين بأن القرآن الذي هو كلام الله مخلوق.
أسماء الله عندهم مخلوقة
وهنا وقع الأشاعرة في ورطة كبيرة أظهرت مدى موافقتهم للمعتزلة، فإنه عندما جعلوا كلام الله معانٍ نفسية والألفاظ مخلوقة قيل لهم: ماذا عن ألفاظ أسماء الله (الله والرحمن) هل هذه ألفاظ أزلية أم مخلوقة وهي في القرآن؟
فتحيروا وتخبطوا ولم يأتوا بجواب واضح. فقالوا: بأن الله صالح أزلًا لهذه الأسماء أو أنه علم بها أزلًا [5] .
وهذا قول باطل فإن الله عالم أزلًا بجميع مخلوقاته قبل خلقهم، فما الفرق بين مخلوقاته وبين أسمائه حينئذ ؟ وإذا كان الكلام نفسيًا بلا حرف ولا صوت وإنما هو شيء قديم فما الفرق بينه وبين الإرادة والعلم ؟
وهم يعتبرون ألفاظ أسماء الله مخلوقة لأن الله كان ولم يكن لفظ ولا لافظ كما صرح الرازي [6] .
(1) مسلم (811) .
(2) الدليل القويم 66 و 67.
(3) العقيدة للإمام أحمد بن حنبل برواية الخلال 107 تحقيق السيروان ط: دار قتيبة- دمشق. طبقات الحنابلة 2/396.
(4) النهج السليم 26 الفقه الأكبر 27 تأويلات أهل السنة آية (51-52) سورة الشورى إشارات المرام 177-178 عقيدة الخير لأبي الخير البنغلاديشي 376- 377.
(5) تحفة المريد 87.
(6) لوامع البينات شرح أسماء الله 24.