فهرس الكتاب
بأي عقل تقبلون: أن الله ما زال يقول يا موسى قبل خلق موسى، وحين كان رضيعًا ولا زال يقول يا موسى حتى بعد موته.
وأي ضلالة أعظم أن يقول الله { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي } ثم يأتي هؤلاء فيقولون: لا يزال يناديه قبل أن يأتي الشجرة وبعد أن أتاها ولن يزال يناديه إلى الأزل.
وهذا القول مخالف لما يعتقده الماتريدية المنتسبون إليه لأن كلامه يثبت حدوث الفعل، ولهذا قال أبو حنيفة"وقد كان الله متكلمًا ولم يكن كلم موسى" [1] .
أفلا تعقلون؟؟؟
-تقولون أن الله يسمع أزلًا ولكن كيف تجيبون عن سؤال السائل: كيف يقول الله بصيغة الماضي { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ } قبل أن يخلق السموات والأرض وقال { لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } .
قالوا...).
وكيف لا زال يسمع قولهم وهم قد ماتوا؟
وهل كل من يدعو الله لا يزال الله يسمع دعاءه حتى وإن توقف عن الدعاء؟
وكيف ما زال الله يقول للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا سجدة واحدة قاموا عنها بعد ذلك ، ولو كانوا لا يزالون يسمعون الأمر لكانوا لا يزالون ساجدين إلى الأبد !!
ولهذا قال ابن حزم"ولو كان لم يزل يسمع الأصوات لكانت الأصوات لم تزل ، وهذا لا يقوله مسلم" [2] .
-ثم لا يعقل أن يخاطب الله بشرًا فيأمرهم وينهاهم وهم لم يُوجَدوا بعد! كيف يقول الله قبل خلق موسى { لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...} . فإن نداء الله لموسى- حين ناداه- صفة كمال، وهي صفة كمال وقت وجود موسى، ولو ناداه قبل أن يجيء لكان صفة نقص وليس كمالًا.
ولهذا نقد الجويني شيخه الأشعري في مسألة أزلية كلام الله حين تساءل: إذا كان كلام الله أزليًا فكيف يخاطب الله معدومًا بالأوامر والنواهي. قال"إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول... فلا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورًا"ثم ذكر بأن مسألة"أمر بلا مأمور"هي معضلة حقًا.
-وانتهى الجويني والشهرستاني إلى التوقف والحيرة، وزاد عليه الشهرستاني بأن ساق أقوال جماعة من العلماء في أبي الحسن الأشعري أنه خرق الإجماع بهذا الكلام النفسي الذي أتى به، وانتقد الرازي أصحابه الأشاعرة لهذا السبب أيضًا ونص على أن ما زعموه غاية في البعد [3] .
-ولما شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السعي بالحج قال"نبدأ بما بدأ به الله. فبدأ بالصفا" [4] .
-ومجيء كلام الله مكررًا في كتابه الكريم يبطل زعمهم أن كلامه أزلي لا بداية له ولا نهاية كقوله تعالى { فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } وقوله { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } . فالتكرار ينافي الأزلية.
-ثم إن هذا مخالف لما أطبق عليه السلف من أن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء وأنه يتكلم بصوت، كما حكاه عنهم المرتضى الزبيدي [5] وأن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته.
(1) الفقه الأكبر 26.
(2) الدرة فيما يجب اعتقاده 273.
(3) البرهان في أصول الفقه 1/ 270-273 نهاية الإقدام للشهرستاني 304-305 و 313 والمحصل للرازي 184.
(4) رواه في الموطأ 374:1 والنسائي 243:5 بسند صحيح .
(5) إتحاف السادة المتقين 2/79.