فهرس الكتاب
زعم الحبشي أن الأشعري ذهب في أحد قوليه إلى تأويل الاستواء بالاستيلاء [1] وهذا تلبيس يبطله ما يلي:
أولًا: اعتراف ابن فورك بأن المتأخرين من الأشاعرة ذهبوا إلى تأويل الاستواء بالقهر والغلبة خلاف قول الأشعري والمتقدمين من أصحابه [2] .
ثانيًا: أن عزو أبى الحسن هذا التأويل إلى المعتزلة واعتراف ابن فورك يؤكدان أن الأشعري ترك القول بالاستيلاء بعد تركه الاعتزال ، ولا يخفى خبرته بمذهب المعتزلة فانه لازمهم أربعين سنة.
ثالثًا: أنه لو كان الحبشي يؤمّ الصدق في نفسه لقال (في أول قوليه) حسبما أثبته له ابن عساكر [3] والبغدادي [4] والبيهقي الذي [5] نقل عن ابن فورك أن هذا التأويل ذهب إليه المتأخرون من الأشعرية. فلماذا التمويه والتلبيس.
الاستيلاء ليس له مستند لغوي
-وقد دأب حيدر من أتباع الحبشي على تخطئة ابن الأعرابي تعصبًا لشيخه وللسبكي الذي اكتفى بأن"قول ابن الأعرابي لا يُلتفت إليه لأنه مخالف لكلام اللغويين"من غير أن يقدم دليلًا ، ولعل اللغوي المعتمد عند السبكي هو الأخطل النصراني [6] .
غير أن حيدر تجاهل- وهو الذي حقق كتاب البيهقي- أن البيهقي استبعد هذا التأويل ونقل عن ابن فورك أن الاستيلاء غلبة مع توقع ضعف ، محتجًا بقول ابن الأعرابي نفسه [7] .
وهنا يحسن أن تسأل الحبشي الأشعري: هل تأويلكم الاستواء بالاستيلاء متفقون عليه فيما بينكم أم بينكم خلاف فيه؟
فإن قالوا بلى: قلنا: قد علق المرتضى الزبيدي على تأويل الغزالي للاستواء بالاستيلاء بأنه تأويل محتمل، وأنه لا دليل على تعيين هذا التأويل، بل نص على أنه تأويل"بعض"الخلف [8] . ويأتي الرازي فيجعل هذا التأويل الاحتمالي بالاستيلاء واجبًا على المسلم [9] .
والغزالي متناقض في إثبات الاستواء فتارة يدعي العلم به بأنه استيلاء وتارة يزعم أن الله استوى على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده وعلق عليه الزبيدي"هو سبحانه أعلم به"! [10] .
ويدعي كثيرون من نفاة الصفات أن مستند تأويلاتهم متوافق مع اللغة وأن اللغويين قد أجمعوا على أن الاستواء في اللغة بمعنى الاستيلاء ، فإذا نظرنا في كلام أهل اللغة لم نجد شيئًا ، وربما وجدنا شيئًا من ذلك أدخله لغوي معتزلي أو أشعري فيقوم علماء الكلام الأشاعرة بالاحتجاج بعلماء اللغة الأشاعرة: وهذا تحكم ومكر كما يقول الأحباش"واللغوي السبكي واللغوي الزبيدي..."وهما أشاعرة أقحاح.
ونحن إذا سلمنا بأن هناك عدة معان لغوية للاستواء فما الضابط الذي يجعلنا نختار واحدًا دونها؟
فقد فسر العز بن عبد السلام قوله تعالى { فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ } بمعنى استولى عليهم. قال"لأن الاستيلاء بالقهر والغلبة يشبه الاستيلاء باليد" [11] .
ثم ألم يرد تحديد معنى واحد للاستواء عن السلف دون المعاني الأخرى؟ ألم تقرءوا في صحيح البخاري في كتاب التوحيد (باب: وكان عرشه على الماء) يقول مجاهد: استوى أي علا. وقول أبي العالية استوى أي ارتفع؟ وقول أحمد بن حنبل: الاستواء هو العلو والارتفاع. وهو القول الموافق للغة أيضا حيث أن"استوى"متعدية بأداة (على) .
واستواء الرب المعدى بأداة (على) المعلق بعرشه المعرف باللام ، المعطوف بثم على خلق السموات والأرض ، المطّرد في موارده على أسلوب واحد ونمط واحد: لا يحتمل إلا معنى واحدًا ، لا يحتمل معنيين ألبتة، فضلا عن ثلاثة أو خمسة عشر كما يزعم الأحباش أن (استوى على) .
أعذار التأويل الواهية
-وتعذَّر المؤولة عن تأويلهم هذا بأعذار مثل قولهم: إن الاستواء لا يكون إلا بالتمكن. مع أن معنى الاستيلاء هو التمكن وبلوغ الغاية كما صرح به الفيروزأبادي وغيره [12] وفي المعجم الوسيط: [13] "استولى عليه أي تمكن منه وصار في يده وظهر عليه".
-ويقال للقائلين بالاستيلاء: هل يجوز أن نقول استوى الله على البحار والأرض والجبال واستوى على مخلوقاته؟ نطالبكم أن تقولوا: لا مانع أن نشهد أمام الله أن الله استوى على الأرض واستوى على القمر واستوى على الشمس واستوى على البشر أي استولى عليهم.
قال السيوطي"إن الله تعالى مستولي على الكونين والجنة والنار وأهلهما، فأي فائدة في تخصيص العرش بالذكر" [14] . هذه الكلمة التي قالها السيوطي اعتبرها الأحباش من قول المجسمة [15] . فهل يعتبرون السيوطي مجسمًا؟
ويجيب الأشاعرة عن وجه تخصيص العرش بالذكر فيقول الرازي مقلدًا المعتزلة"وخُصَّ العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات". وهذه كشفت تطابقهم مع تأويلات المعتزلة وتقليدهم لهم. فقد قال القاضي عبد الجبار المعتزلي في شرح أصوله"فإن قالوا: فما وجه تخصيص العرش بالذكر؟ قلنا: لأنه أعظم ما خلق الله تعالى فلهذا اختصه بالذكر" [16] .
شبهاتهم حول الاستواء
(1) إظهار العقيدة السنية 37.
(2) الأسماء والصفات 2/152-153.
(3) تبيين كذب المفتري 150.
(4) أصول الدين 112.
(5) الأسماء والصفات 2/154.
(6) تعليق حيدر على كتاب البيهقي 2: 154.
(7) الأسماء والصفات 2: 153 تحقيق حيدر.
(8) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 2/104-105 .
(9) أساس التقديس202.
(10) إتحاف السادة المتقين قارن 2/104 بـ 2/24.
(11) الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز 94.
(12) القاموس المحيط 1732.
(13) ص1057.
(14) الإتقان 2/9 وانظر فتح الباري 13/406.
(15) ذكر ذلك رأس من رؤوسهم وهو محمد الولي كما في مجلة منار الهدى 12/27.
(16) شرح الأصول الخمسة ص 227 وقالها في كتابه تنزيه القرآن عن المطاعن ص 175، 253.