فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 1116

وذهب الحبشي إلى أن من قال بأن العرش بالرحمن استوى أمثل ممن قال بأن الرحمن بالعرش استوى [1] .

وزعم أن من أقدم على تفسير الاستواء بالاستيلاء لم يرتكب محذورًا ولم يصف الله بما لا يجوز عليه [2] .

ولو كانت كلمة (استولى) أنسب وأفضل من كلمة (استوى) لوصف الله بها نفسه فإنه أعلم من الحبشي بما يليق به من الصفات. ثم إن هذا التحريف بدعوى التنزيه من سنن اليهود ولذلك قيل:

لام الجهمية في استولى كنون اليهودية في حنطة

قيل لليهود { قُولُواْ حِطَّةٌ } فقالوا حنطة.

وقيل للمعتزلة والأشاعرة قولوا استوى كما قال الله { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } وقالوا: استولى .

فنحن إذا قيل لنا أنتم مشبهة قلنا: نحن ما وصفنا الله إلا بما وصف به نفسه ، ولكن لو سألنا المؤولة ؟ لماذا شبهتم الله بخلقه فنسبتم إليه الاستيلاء وهو مما لا يوصف به إلا المخلوق، فلا يستطيعون أن يقولوا: استولى استيلاء يليق بجلاله لأن هذا الوصف لا يليق أصلًا بالله، ولو كان لائقًا به لوصف به نفسه ولما انتظركم أيها المؤولة حتى تصفوه به. فأنتم أحق بالتشبيه والتجسيم ممن ترمونه به .

بل يلزم من تفسيركم الاستواء بالاستيلاء"نسبة الشريك المغالب لله المضاد له في أمره ، لأن الاستيلاء لغة لا يكون إلا بعد المغالبة فإذا وقع الظفر قيل استولى على كذا، فمن هو المضاد لله حتى تمكن الله تعالى من التغلب عليه والاستيلاء على ملكه منه"؟ أيكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه ثم تمكن منه واستولى عليه ؟ إن الاستيلاء لا يُطلَق إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يُعجِزه شيء" [3] ."

زعمه أن (ثم) لا تفيد الترتيب

وزعم الحبشي أن (ثم) في قوله تعالى { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } لا تفيد الترتيب في الحدوث والوقوع ، وإنما هي ترتيب في الإخبار ، أي أن هذه الآية تدل على أن الله يُخبرنا بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ثم يُخبرنا بأنه قاهرٌ للعرش الذي هو أعظم منهما" [4] ."

-وهذا باطل يكذبه الباقلاني القائل"وقوله { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن . فبطل ما قالوه" [5] .

ويحتج الحبشى بقوله تعالى { ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ } ليبطل في الأخرى الترتيب الذي تفيده (ثم) وكان بودنا أن نوافقه لو أننا وجدنا فهم السلف يخالف فهمه: فقد جاء في حديث قتادة"لما"

(1) الدليل القويم 37. نقلها عن القشيري (إتحاف السادة 2/108) .

(2) الدليل القويم (37-39) .

(3) من كتاب شيخنا سليم الهلالي (أين الله رواية ودراية 49-50) .

(4) إظهار العقيدة السنية 151.

(5) التمهيد 262 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت