فهرس الكتاب
ولما ذكرت ذكرت لأحد أتباعه حديث الجارية وأنها قالت أن الله في السماء، بادرني بالقول أن الجارية قصدت بذلك تنزيه الله.
فقلت له: فإذا كان هذا القول من التنزيه فلماذا لا تقولون به أنتم بل وتحرمون على أنفسكم التلفظ بما قالت به؟ وهل يرضى أحد منكم أن يختار لفظًا كهذا؟ هل يرضى أن يقول: نشهد أن الله في السماء كما قال هو {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} فقد قال ابن فورك"اعلم أنه لي يُنكر قولُ من قال: إن الله في السماء. لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به، وهو قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ومعنى ذك: أنه فوق السماء" [1] .
وكنت ألح عليه مرارًا أن يقول بقولها لفظًا ولو من غير اعتقاد تأدبًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي وافق ظاهر لفظها ليوافق رضاه رضا رسول الله منها، فأبى أن يقول بمثل ما قالت.
فقلت له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقرّ باطلًا فهل لي أن أختبرك كما اختبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسألك بمثل ما سألها: أين الله؟ فقال: بلا مكان.
قلت له: أهكذا كان جواب الجارية؟ تالله لقد فازت هذه الجارية في الاختبار وفشلت فيه أنت.
الحبشي يكمل مسيرة الاعتزال
وهذا التأويل يشكرهم عليه المعتزلة لأنه هو نفس تأويلهم. فقد ذكر الأشعري [2] أن الجبائي - من المعتزلة - لا يجوز عنده أن يوصف الله بالفوقية، فإن وُجِد في القرآن ما يثبت الفوقية فهو مؤول بالقهر والاستيلاء وأن الله مستول على العباد"وبهذا تبدو المطابقة والتشابه واضحة بين الحبشي والمعتزلة."
(1) مشكل الحديث وبيانه 392.
(2) مقالات الإسلاميين 532.