فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 1116

تناقض الجهمية وأفراخهم

إن المتابع لفرق الجهمية يلاحظ تناقضًا عجيبًا جديرًا بالتفحص والتأمل والتحليل: إنه يلحظ أنهم كانوا أحرص الناس على نفي علو الله على عرشه وتكفير من قال إن الله في السماء. ولكن مع ذلك فإن لهم مقالة أخرى نُقِلَتْ عنهم، وذلك أنهم يقولون بأن الله في كل مكان، ولعل سائلًا أن يسأل كيف يصدر هذان القولان المتناقضان عن فرقة الجهمية؟

والجواب: أنهم أنكروا علوّه أولًا فقالوا كل فعل في الحقيقة هو فعلُه وهو ليس في مكان. فلما تصوّفوا طلبوه فلم يجدوه فقالوا: هو في كل مكان. وصارت الفوقية من هذا الكل!!!

أنهم لما أنكروا علوّ الله في السماء صرف الله قلوبهم إلى أسفل سافلين، فتوجهوا بالدعاء إلى أعماق الأرض حيث الموتى. وصارت آمالهم متعلقة هناك بعدما انتكست فِطَرُهُم فصرفهم الله عن التوجه إليه {صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} [التوبة 127] .

ولهذا نرى كيف أن الغزالي الأشعري وابن عربي وابن الفارض وغيره من المتصوفة (وهم بين أشعري وماتريدي) يصرحون بوحدة الوجود كالنقشبندية وغيرهم، ويجعلون الله ومخلوقاته شيئًا واحدًا.

بل نرى عبد الغني النابلسي (حبيب الحبشي) يدافع عن عقيدة وحدة الوجود دفاع المستميت وينسب الطاعنين فيها إلى الغباوة والجهل، ويكتب عنها كتبًا عديدة مثل كتاب:

إيضاح المقصود من وحدة الوجود.

الظل الممدود في معنى وحدة الوجود.

إن أصل هذا الانحراف سببه نفي علو الله تعالى على عرشه ولو أن هؤلاء سلّموا لله علوّه فوق خلقه فوق سمائه كما أثبت ذلك لنفسه لوفروا على أنفسهم وعلى المسلمين هذا الخلاف الذي مضى عليه قرون طويلة، أضاعوا فيه أوقاتهم وشقوا فيه وحدة المسلمين وشغلوهم بمسائل لا قيمة لها حتى سبقنا من كان خلفنا وتخلفنا نحن عن قيادة العالم. وتركنا مليارات من الأمم الوثنية التي تنتظر من يدعوها إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.

ولهذا تجد هؤلاء المشوشين أمثال الحبشي وغيره من الصوفية يتلقون الدعم لأن مجرد خوضهم في هذه القضايا يلهي المسلمين ويبعدهم عن منافسة الأمم الأخرى التي كانت - ولا تزال- تعيش قرونًا مظلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت